Citation

رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاء بأفضل من قولنا قبلناه. الإمام الشافعي

الأحد، 27 سبتمبر 2026

الصواب – استشراف مالي رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي عيرنا خطأ يحتمل الصواب موسم موازنات الدولة المالية يكتبه عبد اللطيف الفراتي تونس/16/09/2026 في سابق العهد والزمان أيام كنت أرأس تحرير جريدة الصباح ـ وحتى قبل ذلك ، تخصصت إلى جانب أغراض أخرى كل سنة في تحليل أرقام ميزانية الدولة وخفاياها والاستنتاجات التي أتولاها ، وما سيكون من أثر على الناس في دخلهم ومصارف ذلك الدخل، ومقصد الحكومة من تحقيق نسبة النمو ومقدار الاستثمار وتوجهات الانفاق الحكومي والخاص وتوجهات الاستهلاك واستنتاجات نمو الثروة والتأثير على سوق الشغل نحو القضاء على البطالة، وكان ما يقود الخطوات هو الميزان الاقتصادي ومخططات التنمية بالرجوع إلى المذكرات التوجيهية لتلك المخططات التي ترسم العوائق من جهة والاهداف المقررة من جهة أخرى. واعتمدنا آنذاك نقدا للسياسات المالية اعتمادا على المعرفة الشخصية وآراء الخبراء الناقدين. وللحقيقة فقد كانت الصراحة كاملة في تناول هذه الشؤون، التي لم تكن للواقع تهم إلا طبقات مفكرة من جمهور القراء الكثيرين، وكنا نستهدف طبقة القراء المثقفين والمقررين في الدولة والمؤسسات تنير لهم الطريق. وكان الحذر يقود خطانا ،ولكننا كنا نصارح بلهجة الرفق بما لا يتلاءم مع ما نراه من مصالح المجموعة حتى جاء اليوم الذي " غادرت" فيه رئاسة التحرير، وتم الطلب لرئاسة التحرير الجديدة ، الكف عن نشر هذه السلاسل من تحليل الميزانية، ولست واثقا إن لم يكن ذلك من الإدارة الجديدة في الجريدة، التي لم تكن ترى فائدة من وراء نشر ذلك، لكسب القراء باعتبار أن ذلك " عسير الهضم على القارئ، الذي يفضل المحتوى الخفيف"، ورغم ذلك فقد هاتفني عشرات القراء، إن لم يكونوا بالمئات ، من الكوادر العليا للدولة والقطاع الخاص سائلين عن غياب تلك التحليلات التي كانوا يرونها جد مفيدة. وللحقيقة ورغم أني دعيت مرات للتحقيق أمام القضاء، وحتى مثلت أمام المحاكم فإني لا أنا ولا غيري من الصحفيين، تم الزج بنا وبهم في السجن ولا حتى لمجرد الإيقاف ، خلال فترة حكم الرئيس بورقيبة ولا فترة حكم الرئيس بن علي. وكنا خاضعين لقانون 1959 ولاحقا لقانون 1975ـ وكنا كصحفيين ننادي بتحرير قوانين الصحافة، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في شأن العمل الصحفي، وللواقع لم تكن مسلطة عبينا تلك العقوبات، وإن كان هناك طرق أخرى للتضييق عبر منع الارتزاق ومحاولات التجويع. وقد شهدت الصحافة أزهى أيامها في العشرية التي نعتت بالسوداء بعد صدور نصين تقدميين يطلقان المجال ، صدرا في عهد رئاسة حكومة الباجي قائد السبسي مباشرة بعد الثورة. وقد تم استعمال المرسوم 54 وأدوات أخرى لعكس ما كلن عليه الأمر وباتت العقوبات السالبة للحرية أمرا متكررا في مخالفات الصحافة وما تم إلحاقه بها في تناقض كامل مع ما تنص علبه المواثيق الدولية. وإذ انزحنا عن منطقنا في أول هذا المقال ، فإن موسم إقرار ميزانية الدولة ودراستها يعتبر فترة مناسبة لكل من يرى في نفسه الكفاءة أن يدلي بدلوه. ** والبدء لا بد أن يكون بإقرار ما يرقع نسبة النمو إلى 5 في المائة أو أكثر من ذلك، وهذا ما يمكن من استيعاب طاقة العمل الوافدة سنويا لسوق العمل، على أساس ما يراه الخبراء من أن كل نقطة في النمو تمكن من خلق 10 إلى15 فرصة عمل. وسيمكن تحقيق هذه النسبة إذا أمكنت من إدخال هبة هواء على المالية العمومية عبر التمكين من تحقيق فوائض للمالية العمومية تسعى بها الدولة لإنجاز التوازن للمالية العمومية، وجعل النظام الضريبي في مستوى مناسب كما حققه محمد الغوشي في 1988/1989،بمناسبة الإصلاح ا الجبائي التاريخي الذي أنجزه آنذاك، وكلن أثره إيجابيا حيث وبمرور الوقت ، لا بد من إردافه بعد نصف قرن بإصلاح آخر،، في مستوى ذلك الحين، وإن اختلف عنه في العمق شكلا ومضمونا. ويكون ذلك الإصلاح ضامنا لا امرين اثنين: - توفير الدخل اللازم لمالية الدولة حتى تؤدي التزاماتها - العدالة المصفة في مواجهة الاداءات بين الفئات والجهات، قي إطار التخفيف الأقصى من الضغط الجبائي المرتفع بطبيعته ، بتوسيع قاعدة دافعي الضرائب ، بحيث تسود العدالة الجبائية وبنتفي التهرب الجبائي ، ويتم القضاء التدريجي على القطاع غير المنظم. وتوفير قاعدة مالية تعتمدها الدولة ، بمختلف مواردها، وبتطهير دواليبها، وتشذيب ما ينبغي تشذيبه، مما يثقل كاهل نفقات الدويلة بمؤسسات لا توفر قيمة مضافة ولا تدفع أداءات أو تكاليف اجتماعية بل تعيش هالة على المجتمع وعلى حساب المجموعة الوطنية. من شأن كل ذلك أن يوجد قاعدة صلبة من الرخاء في حسابات الدولة تمكن من مجابهة نفقاتها بكل أريحية ، وتوفير قسط مريح لاستثمار تبدو البلاد في حاجة كبيرة له بعد أن تعطل على مدى 16 سنة أي منذ إطلالة الثورة ولنقل ما ينبغي أن يقال بلا تغطية لحقيقة الامو ولا لف أو دوران. ** إيلاء حركة الاستثمار ما تستحقه من أهمية واهتمام . فالدولة العادلة ومصالحها الناجعة والمنصفة في الأصل والتنفيذ لا بد أن تنال حقها العادل والمنصف تجمع ضرائب منصفة وعادلة وغير مجحفة لتتمكن من أداء أدوارها سواء السيادية كأدوات الحكم والاقتصادية الاجتماعية عبر توفير بيئة تحتية مشجعة وموفرة لمقومات التطور ، دون أن تكون بالضرورة مقاولا أو تاجرا أو صناعيا أو مسدي خدمات أو فلاحا إلا في أحوال تفرضها الضرورة . وتقدم مصالح الدولة ، التي عليها أن تبلغ قدرا عاليا من الجدوى، في ظل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي هجمت علينا بكل خير ونجاعة، فلا أجدر من قطاع خاص تطلق قدراته الواسعة للتصور والإنجاز، ويكف تكبيله بالنصوص والقوانين والمناشير والسلوكات التي أكل عبيها الدهر وشرب، فيبهرنا كما حصل في المغرب ومصر وهما يماثلوننا من حيث قلة الموارد الطبيعية، ويسجلان اليوم نسب نمو نسبيا عالية رغم العوائق التي لا تواجه تونس مثيلا لها. إن ما ينقصنا في تونس بحق هو إطلاق المبادرة الخاصة حتى لا نقول الفردية من عقالها، وتشجيع رجال الاعمال لا فقط على النجاح ، ولكن أيضا على الثراء ، والمحاسبة الشديدة لهم على احترام القوانين ودفع نصيبهم العادل والمنصف ونشدد على كلمة المنصف، من الضرائب المحمولة عليهم والواجبات المجتمعية التلقائية المحمولة على الأثرياء تطوعا تحت كل سماء. بدون استثمار عمومي عالي القيمة لتوفير البيئة الملائمة، وبدون استثمار خاص يقبل المغامرة ولكن يجد النتيجة الإيجابية في آخر مسعاه وفي أمن وأمان على ماله وعلى سلامته البدنية لكل فرد، لا أمل في إقبال على استثمار داخلي ـ وإذا بقي الاستثمار الداخلي محدودا، فلن يتشجع الاستثمار الخارجي على القدوم وبأحجام كبرة، وتلك شروط التنمية المستدامة ، وشروط تسجيل نسب نمو عالية بعد كل هذه السنوات الطويلة من نسب نمو قاصرة وضعيفة، فلا بد من توفير المناخ المناسب سياسيا إعلاميا قضائيا واقتصاديا واجتماعيا لنجاح مؤكد، يفترض توفير الكفاية من فرص العمل المجزية ، حتى لا يزداد هروب الكفاءات العليا والمتوسطة من بلادنا ،هذه الكفاءات التي يصنع وجودها التنمية والنمو والمغادرة كلما توفرت لها الفرصة، وبلادنا لن يبنيها سوى الخريجين من المهندسين والأطباء والكوادر الوسطى. بلادنا تونس لا تنقصها الأوراق الرابحة، وهي كثيرة، ولكن ما ينقصها وبكل صراحة هو جو من الثقة فيها وطنيا وخارجيا.

الجمعة، 11 سبتمبر 2026

مغاربيات مدونة الصواب هل يكون المغرب القدوة مغاربيا عربيا وإفريقيا؟ كتب عبد اللطيف الفراتي تونس /03/09/2026 عندما ألقى الملك المغربي محمد السادس خطاب العرش قبل بضعة أسابيع، اعتبرته لما جاء فيه من تعددا إنجازات، خطابا دعائيا، كما تعودنا في بلداننا العربية والافريقية، ولكني عندما أخذت في البحث والتنقيب بيم معطيات المؤسسات التي لا يرقى لمعطياتها شكـ تحول شكي إلى يقين بأن المغرب الشقيق بصدد التحول من براثن التخلف إلى خطوات اللحاق بالنمور الآسيوية ، ومن لحقها من الدول مثل تركيا والبرازيل ومصر على سبيل المثال. فقد تأكدت من ثلاثة أرقام جاءت على لسان الملك: أولها أن المغرب سجل نسبة نمو تقارب 5 في المائة وثانيهما أن المغرب بات أول قوة صناعية في إفريقيا بعد أن كانت جنوب إفريقيا التي تقهقرت للمرتبة الثالثة بعد المغرب ومصر. وثالها أن المغرب أصبح أكبر مصدري السيارات إلى أوروبا فضلا هن تصدير قطع غيار الطائرات. وما لم أكن متأكدا منه أن المغرب بات أول بلد يستقبل السواح نازعا الأولوية عن مصر إفريقيا. فقد اتبعت الدولة المغربية سياسات أتت أكلها في تشجيع الاستثمارات الداخلية والأجنبية، عبر تشجيع المبادرة الفردية، وتوفير الأرضية الملائمة للتراكم الرأسمالي، فبقدر عدد أصحاب الثروة المقدمين على المخاطرة، بقدر ما تنمو القدرة على الاستثمار الداخلي، وهو ما يعطي ثقة للمستثمر الخارجي الذي يقبل للقدوم إلى بلد معين بقدر ما يشهد المستمر الداخلي مقبلا على المخاطرة في بلده. أمر آخر جاذب للاستثمار الداخلي والخارجي هو الثقة اللامتناهية في العدالة والقضاء، و لا ننس مقولة ابن خلدون "العدل أساس العمران"، والاستثمار هو واحد من أولى مقومات العمران. إن النجاح المغربي رغم استمرار بقاء تفاوت طبقي واضح، ليس صدفة بل هو ناتج عن استشراف دقيق، وسياسات غي مجال تشجيع الاستثمار/ وعدالة منصفة ورؤيا واضحة، وفوق كل ذلك تشجيع رجال الاعمال ومحاسبتهم الدقيقة ليس بوضع البعض منهم في السجون بدل استرداد ما اعتمده بعضهم من تجاوزات، فالسجن ليس طريقة للردع بقدر ما تكون أداة تثبيط للعزائم. fouratiab@gmail.com

الاثنين، 31 أغسطس 2026

...وبلغ السيل الزبىالصواب : .. وبلغ السيل الزبى يكتبها عبد اللطيف الفراتي تونس/28/08/2026 كانت العائلة تدعوني لتناول العشاء، بعد حقنة الأنسولين، فالأمر يتطلب سرعة الأكل، وأنا جالس أمام الكومبيوتر أنهي الفقرة الأخيرة من مقال أعددته لمدونتي الصواب مرتبط شديد الارتباط مع ما نعيشه من غياب الماء والضوء. كانت الحنفية لا تدر ماء من أول العشية، ولغسل يدي باستمرار قبل االبسملة وتناول الطعام كان لا بد من يصب على يدي الماء كما في العهود الخوالي ، ولم يكن لنا في البت ذلك الابريق النحاسي وبقية عدنه "طشت" كما كنا صغارا. وقفت متثاقلا، وانحنيت مكرها لضغط مفتاح التسجيل بعد أن انتهيت من تحبير مقال تطلب مني عناء بأربع ساعات. فجأة انقطع النور، وأظلمت دنياي قولا وفعلا، بتنا في ظلام داس، نتلمس مواضع أقدامنا في حذر، وفعلا لأن أربع ساعات من الجهد المضاعف وأنا كليل البصر، امحت في لمح البصر وذهبت هباء منثورا. يا الله .. الصبر الصبر، وكيف يأتي الصبر؟ انهارت قوائمي (فقد شبهت نفسي بحيوان جريح لم يعد قادرا على الوقوف، في بلد شغرت فيه في ذلك الوقت أنه لم يعد هناك فارق بين حيوان وإنسان وقصدا وضعت الحيوان قبل الانسان، فأنا لم اتخذ احتياطي بتسجيل ما أكتب كل ربع ساعة على الأقل). لم تعد لي شهية للأكل، على ضوء تلك الشمعة الواحدة والوحيدة في البيت القريبة من الإنطفاء. كنا بحثنا قبل أيام بون جدوى عن شراء لمبارة (بيل) فلم نجد كان الناس أسبق منا . وفي مرحلة ثانية بحثنا في الأسواق عن الشمع، ولكن ذهبت جهودنا سدى. ذابت الشمعة وانطفاء الضوء . لم يعد الماء للحنفية، ولم يعد الضوء لا للفوانيس ولا للثلاجة ولا الانترنت ولا للتليفزيون، ولا للفايس بوك ولا للتيك نوك . نضب مخزون الحديث بيننا، بعد أن حضنا في الحالة التي أصبحت عليها البلد مما لم يسبق لها أن شهدته. انبريت شخصيا للقول إن ما نراه لم يسبق له مثيل في حياتا ، وهو نتيجة لانعدام الرؤيا وقصور في الاستشراف ، وليس كما يروجه بعض كبار المسؤولين ، أمرا لا مدبرا ولا مؤامرة ، وقد أصبحت تهمة التآمر موضة العصر في بلادنا، التي فقدت فيها الكلمة الحرة وضعها وأصبحت مطاردة خوفا وهلعا. ذهب أفراد العائلة ضيوفا وعير ضيوف كل إلى فراشه يتقلب فيه المرء أرقا من شدة الحرارة الاستثنائية التي تعيشها البلاد تحت وطأة القيظ و"الكتنيكول". غادرت الغرفة إلى الشرفة لعلي أظفر ببعض الاوكسيجين الذي عز علي تحت سقف البيا، فأنا مصاب بالربو أو الفدة، تناولت حبتين " ديسلور" لتخفيف الإحساس بالاختناق. شغلت نفسي بالتطلع إلى الفضاء الممتد أمامي فإذا بظلام بلفه ظلام، حتى السيارات هجرت الشارع. إذا كنت أنا وفي بيتي لم أعد أعرف ما أفعل أمام هذا الشعور بالعجز منذ ساعات ، ولا مكيف هواء أو حتى مروحة كهربائيةـ، فكيف يعيش هؤلاء الذين يعمرون السجون، وقد سلبت منهم حريتهم ويعيشون ضنكا ما بعده ضنك، فمع فقدان الحرية ما هي ظروف السجن في مثل هذه الاحوال التي فقدنا الطاقة على احتمالها لمدة ساعات قد تطول أو تقصر. ذهب بي التفكير بعيدا وقد قضيت خلال سنوات عملي الصحفي 66 سنة، ما كنت قد اقتنعت به من أن المحاكمات السياسية التي قمت بتغطيتها لم تكن مقنعة لي وأني وإن كنت دوما أقوم بتغطية موضوعية وأنقل مجرياتها بكل أمانة ، فإني بكل إحساسي كنت أشعر أني بكل جوارحي أقف إلى جانب المدعى عليهم وليس أصحاب الأمر والتهي. يا رب اشهد فإني وإن كنت في هذه السن العالية فقد بلغت ، اعتمادا على تمسكي الدائم بشرف المهنة الصحفية وهي مهنة شرف كما أعتقد في أعماق نفسي مارستها دائما بشرف، وشرف لي أن أنتمي إليها ، وتمكننني من أن أصدع بالحقيقة. fouratiab@gmail.com

الأربعاء، 27 مايو 2026

تهاني العيد

تحية وسلاما أود التوجه إليكم كل الأقارب والأصدقاء والزملاء بتهاني الحارة بمناسبة العيد السعيد، ينعاد عليكم كل عام بالخير والسؤدد والرخاء والرفاه في ظل ديننا الحنيف الحر وقيمه السمحاء المتسامحة. ألف ألف مبروك. عبد اللطيف الفراتي

الاثنين، 11 يناير 2021

الصواب مغاربيات : المغرب العربي وأشلاؤه...من السبب في وأد حلم الوحدة؟

 

 مغاربيات

يكتبه عبد اللطيف الفراتي

المغرب الكبير...الأشلاء ...

وماذا بعد ؟؟؟؟

تونس / الصواب/24/12/2020

بقطع النظر عن قصية تطبيع المغرب مع إسرائيل كدفعة جديدة من الدول العربية المطبعة سواء رسميا أو بصورة غير معلنة ، وهي مصر والأردن والإمارات والبحرين وقطر وعمان والسودان  ، يتوقع المراقبون أن يلتحق بالركب كل من جيبوتي وجزر القمور والصومال،وربما موريتانيا ، ولن تبقى في المستقبل المنظور خارج حركة التطبيع إلا تونس والجزائر والعراق وسوريا ولبنان والكويت والسعودية (؟) وطبعا فلسطين وهي في منزلة بين منزلتين ، أي إنه لن تمر سنة 2021 أو على الأكثر 2022 حتى تكون الأغلبية من الدول العربية الـ24 قد اعترفت بصورة أو بأخرى بإسرائيل سواء بحساب عدد الدول أو بحساب أغلبية من السكان  داخل تلك الدول المطبعة , ولكل في هذا السباق للتطبيع أسبابه ، ففي دول الخليج يبدو أن ترتيب القيم قد أصابه انخرام  وباتت إيران تتصدر قائمة الأعداء لا إسرائيل ، خوفا من قوتها النووية الوافدة ، وهي التي تحتل جزء من دولة الإمارات،، كما تتهدد بضم البحرين وابتلاعها كاملة اعتمادا على أن أغلبية سكانها من الشيعة ، بينما الحكم سني. أما بالنسبة للمغرب، فإن جزرة الاعتراف بسيادته على الصحراء الغربية  أو المغربية المتنازع عليها بينه وبين البوليساريو صنيعة الجزائر منذ 45 عاما ، وهو خلاف تم الاعتقاد في يوم من الأيام وبمناسبة قيام الاتحاد المغاربي في سنة 1989 ، وبتنازل من الرئيس الجزائري الشاذلي بن جديد أنه قد انتهى بالانصهار المغاربي ، وأن الأرض المغاربية ، باتت قاسما أعظم مشترك بين الدول الخمس تونس والجزائر والمغرب وليبيا وموريطانيا، وأنه لم يعد هناك سبب للخلاف على الأرض والسيادة ، طالما الكل مندمج في وحدة سياسية اقتصادية مجتمعية أو يرجى أن يكون الأمر كذلك..

بذهاب الشاذلي بن جديد من الرئاسة الجزائرية تأرجحت مواقف الدولة الجزائرية ، بين العودة لتأييد البوليساريو واتباع سياسة متصلبة في القضية ، وبين إرخاء الحبل  من طرف الجزائر في فترة رئاسة محمد بوضياف ، الذي كان يعتقد أن للجزائر الكفاية من المشاكل،  لتزيد على عاتقها مشكلا آخر هو مشكل الصحراء ، وسيقال إن الرئيس محمد بوضياف وكان يتمتع بشعبية كبرى ، قد تم اغتياله لهذا السبب ، حيث إن " جيش التحرير" الذي ينتمي إلى الخط السائد  ، أي خط بومدين لم يرض على سياسة بوضياف التي اعتبرها متخلية عن حقوق الجزائر ، ومنذ جاء بوتفليقة للرئاسة التي بقي فيها عقدين ، وهو مع بومدين مهندس خط استقلال الصحراء منذ 1975 واعتبار المغرب دولة مستعمرة ( بكسر الميم ) ،  استمر ذلك الخط سائدا ولكن بهدوء، أصل المشكل يتمثل في أن الجزائر وحكوماتها اعتبرت أن ما يسمى بالصحراء الغربية هو مشكل دولة مستعمرة هي المغرب ، وأنها تعمل على تصفية  الاستعمار من كل القارة الإفريقية ، والصحراء الغربية هي آخر رقعة تحت الاستعمار في القارة ، بعد أن تحررت أريتريا من ربقة الاستعمار الأثيوبي ، وجنوب السودان من ربقة  الاستعمار السوداني في الخرطوم.

 المغرب الذي سيطر عسكريا على كامل المنطقة في ما يسميه بالصحراء المغربية، لا يرى الأمر من هذه الزاوية ، فهو يقدم الأمر على أن الصحراء،نعتبر تاريخيا تعتبر تابعة للمملكة الشريفية وأن أهلها كانوا يعقدون البيعة لسلطان المغرب منذ قرون ، وقد اقتطعت هي ومنطقة ا" الريف " شمال المغرب ، في إطار" قسمة وخيان" بين فرنسا وإسبانيا ، وإذ عادت منطقة الريف للسيادة المغربية في تزامن مع الاستقلال  المغربي في 2 مارس 1956 ، فقد أبقت إسبانيا على اختلالها للصحراء الغربية أو المغربية ومنطقتي سبتة و مليلة وهما مدينتان في أقصى شمال المغرب ، هذا بقطع النظر عن جزر الكناري ومادير التي ألحقت بإسبانيا منذ قرون ، تماما مثل الصحراء التونسية ومنطقة الناظور 233 ، التي أهداها الجنرال ديغول ، للجزائر  في 1962 ، وتنازلت عنها تونس سنة  رغم أحقية تونس بها باعتبار اتفاقيات سابقة بين الإمبراطورية العثمانية وفرنسا ثم بين فرنسا الجزائر وفرنسا تونس زمن احتلال البلدين ،  وقد تنازلت عنها تونس ظلما وعدوانا سنة 1970  ، رغم أنها تزخر بمخزون بترولي وغازي ضخم تبيعه الجزائر إلى تونس منذ عقود

وإذ كان العقيد هواري بومدين  ووزير خارجيته عبد العزيز بوتفليقة الرئيس الجزائري لاحقا ، ووراءهما قيادات الجيش الجزائري يختزلون قضية الصحراء ، في مسألة تصفية الاستعمار ، حتى قبل تحرير أريتريا وجنوب السودان ،  وقد نالت وجهة النظر الجزائرية ، تأييد غالب الدول الإفريقية لحد الاعتراف " بدولة صحراوية " ، بعكس ما تقتضيه الأعراف الدولية ، من سيطرة على إقليم ، تقوم عليه حكومة فعلا، وذلك بقوة مالية ضخمة مصدرها إنتاج بترولي وغازي ضخم تم إهدار عوائده  ،فإن جهات أخرى وفي مقدمتها المغرب ، ترى أن المطالبة الجزائرية بحكومة صحراوية تكون تابعة لها مرده ، رغبة جزائرية في الإطلال على المحيط الأطلسي ، وحرمان المغرب من إطلالها على العمق الإفريقي إضافة من السيطرة على مخزون من الفوسفات يقدر بأنه من أكبر المخزونات   في العالم، ويمتاز بشدة خصوبته . la teneur

من هنا فإن هذه الحالة أدت لإعاقة قيام مغرب عربي أو مغرب كبير كما يفضل تسميته إخواننا الأمازيغ ، الذين يشكلون جزء مهما من السكان وباعتبارهم السكان الأصليين لكل المنطقة ، ونتيجة لهذا الوضع أغلقت الحــــــــدود بين الــــــــبلدين " الشقيقين اللدودين:" وتعطل انسياب البشر والسلع برا ، وتدهورت المبادلات ، واستحكم العداء ، ويقول مصطفى الفيلالي رجل الدولة التونسي ، والذي أشرف على حظوظ أحد الأجهزة الوحدوية المغاربية  في وقت من الأوقات ، إن هذه الحالة أدت إلى نقص دائم في مستوى الناتج الداخلي الخام ، في كل بلد من بلدان المغرب العربي بـ2 في المائة سنويا نتيجة تعطل المبادلات البينية إنسانيا وسلعيا ..

ولعل فشل الدول المغاربية الخمسة في إنجاز ، كيان ولو في حدوده الدنيا ، لدافع لتفكير آخر وأوسع ، لقيام كيان ضروري ، في زمن التكتلات الكبرى ، سواء في أوروبا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا ، للقدرة على مواجهة متطلبات العصر وإكراهاته ، وسيكون ذلك موضوع مقال آخر ومقترحنا المقبل.

 

الجمعة، 18 ديسمبر 2020

بكل هدوء: سنوات الثورة

 

بكل هدوء

بقلم عبد اللطيف الفراتي

الايجابي والسلبي

بعد 10 سنوات ثورة

تونس/الصواب/17/12/2020

صباح بوم الجمعة 17 ديسمبر  2010 حدث ما حدث مما سيكون له شأن على التاريخ المعاصر والحديث للبلاد،و المنطقة العربية عموما ، فقد حصلت مشادة بين موظفة بلدية من موظفي سيدي بوزيد ، والبائع المتجول طارق البوعزيزي الذي سيشتهر لاحقا باسم (محمد البوعزيزي) ، وسيقال إن قناة الجزيرة هي التي أطلقت عليه هذه التسمية ، باعتبار أن اسم محمد هو أشد وقعا من اسم طارق في المخيال الشعبي .

كان طارق البوعزيزي ( ودعنا  نسميه باسمه الحقيقي ) لا كما أزهر في شوارع مختلف المدن التونسية ، كان سادس تونسي يشعل النار في نفسه تك السنة 2010

، ولن يذكر التاريخ سواه ،  فلم يلفت أحد منهم الأنظار صدفة أو لأمر ما ، حتى جاءت اللحظة المناسبة ؟

كانت حصلت مشادة بين الموظفة البلدية المكلفة بمطاردة الباعة المتجولين بعرباتهم الصغيرة '( البرويطة )  ، لشكوى تقدم بها التجار من المنافسة  غير المتكافئة التي أضرت بهم  ، احتجزت الموظفة أحجار الميزان ( الصروف) التي يستعملها  لوزن مبيعاته ،وهي أداته الرئيسية للعمل ، فما كان منه إلا أن لمس مكانا حساسا من بدنها ، قائلا لها أزن بهذا ، فصفعته على خده لما اعتبرته مسا من حيائها أمام الناس ، لم يقبل أن تصفعه امرأة أمام الرجال في مجتمع ذكوري ، واعتبر ذلك من الكبائر خاصة في مجتمع ريفي ، وستفترق الشهادات ولكن الأكيد هو أنه سكب البنزين على  بدنه ، و أشعل نفسه  ، هل يكون تلقى مساعدة أم لا .... تختلف الأقوال ؟

 خرجت مظاهرة عفوية أمام مركز الولاية ، تم إيقاف الموظفة ، قبل أن يطلق سراحها ، ويتم نقل البوعزيزي  إلى مستشفى الحروق البليغة في حالة ميؤوس منها ، ويزوره الرئيس زين العابدين بن  علي ، ليتوفى  البوعزبزي لاحقا ، فيلتهب أوار ثورة مدمرة زاد من التهابها ، الفايس بوك من جهة وقناة الجزيرة من جهة أخرى.

وسيتضح لاحقا أن ما حصل في تونس وكانت رائدة في هذا المجال ، لم يكن يخلو من إيحاء خارجي في أدنى الأحوال ، وسيبرز ذلك في جلاء بالنسبة لمصر، عبر المذكرات الأخيرة للرئيس أوباما  " أرض الميعاد "، وإذ نبقى في الداخل التونسي ، فما جرى كان  كافيا لا لثورة واحدة ، بل لألف ثورة ، فقد كان الكابوس خانقا ، والأنفاس معدودة على أصحابها ، والآفاق مسدودة ، وما بدا من ازدهار ترجمته نسبة نمو عالية نسبيا ، لم يكن ليخفي سوء في توزيع الثروة بين الافراد والجهات، و استشراء فساد جم كانت تأتيه عائلة ، تستزيد من الاستيلاء على كل ما يمكن أن تمتد له أيديها ، لا يردعها  رادع ، كل ذلك في ظل كبت للحريات جميعها ، وشعور عميق بالضيم والقهر من طبقة وسطى ونخبة  ، لم تجذ لنفسها من مكان للإسهام في بناء البلاد بفكرها وطموحها للفعل في إطار من الديمقراطية وحرية التعبير والفكر،  وهي المؤهلة لان تكون طليعة المجتمع ، بالتالي اجتمع ما لا يجتمع عادة ، إلا في حالة ما قبل ثورية ،  توفرت الكيمياء الخاصة بها في تونس ، خلال السنوات ما قبل الاتفجار، وإني لأذكر  أني كنت في أوائل خريف 2010 متجها  صحبة الاستاذ محمود بن رمضان إلى موعد معين ، وهو من هو علما  وبصيرة ،  وبعد نظر،  عندما سألته بلادنا إلى أين ؟ أجابني قي لهجة الواثق : لن يدوم الأمر طويلا ، ثم ..كل الدلائل تشير أن الانفجار قادم ، متى بعد شهر شهرين  ثلاثة ولكن الأمر لن يطول...

عندما زلزلت الأرض زلزالها تحت   أقدام  الحاكمين في أواخر 2010 ، استغربت النخبة رد فعل السلطة ولم تفهم أنها قضية وجود ، ولذلك لم تدرك  مبررات عنف رد الفعل ، ولم يدر بخلدها أنها بصدد مسألة  حياة أو موت  بالنسبة لنظام كامل ليس مبررا ولكنه منطقيا  مفهوم.

الثورة بمنطق قانون إحصاء " الشهداء "، الذي أوكله القانون بصفة منفردة للجنة شهداء الثورة و مصابيها دون غيرها ، والتي كان آخر رئيس لها هو توفيق بودربالة انتهت بعد طول دراسة وتمحيص على مدى  سنوات إلى أن العدد الفعلي للشهداء هو  129 وللجرحى هو 634، وإذ احتج الكثيرون فإن عددا كبيرا منهم وعندما عرفوا بتفاصيل الحدود التي حددها القانون زمنا وتوصيفا لطبيعة الشهيد أو الجريح اقتنعوا.

**

ما حصل ما بين 17 ديسمبر 2010 و14 جانفي 2011 هل يمكن اعتباره ثورة ؟ هذا هو السؤال الذي طرح نفسه منذ ذلك الحين ، نعم ولا.

نعم على اعتبارأن الشعب خرج للشارع ، وأسقط نظام حكم قائم ، كان يعتقد نفسه راسخا.

ولا لأنه لم يقم على تنظير ولا قيادة على شاكلة الثورات الفرنسية في 1789 أو البلشفية في روسيا سنة 1917 أو الإسلامية في إيران في سنة 1978/1979، وفي لقاء في كلية العلوم القانونية في المنزه ، جمعني بالأستاذ الأزهر القروي الشابي، عميد المحامين الأسبق ووزير العدل الأسبق ،  ورئيس جمعية النهوض بالدراسات القانونية ، والدكتورة نائلة بن شعبان عميدة الكلية ،والأستاذ  قيس  سعيد رئيس الجمهورية  الحالي ، تطرق الحديث إلى طبيعة الأحداث في تونس أيامها ، وكانت نظرية  قيس سعيد وهو أستاذ للقانون الدستوري، أنه لا شك في أن ما حدث في تونس هو ثورة ، ولكنها ثورة  تخرج عن  المألوف والأنماط العادية للثورات atypique   ، باعتبار طبيعة المرحلة ، والثورة الاتصالية السائدة عبر الأقمار الصناعية ،و القنوات المفتوحة والفايس بوك ، والتقارب زمنا ومسافات الذي فرضه واقع جديد.

كانت شرارة انطلقت منها تحركات غالبا اجتماعية ، وجدت صداها في مختلف أنحاء البلاد ، وبلغت الأوج في صفاقس يوم 12 جانفي وفي العاصمة يوم 14 جانفي ، ولكن السؤال يبقى ملحا بعد 10 سنوات : هل كان ذلك كافيا لو لم يهرب بن علي من البلاد ، عن طيب خاطر أو مدفوعا  من علي السرياطي خوفا عليه أو طمعا في الحكم ،

 لا يهم.

لم أقرأ لليوم ولو كان التقصير مني ، أي تشريح لطبيعة الذين خرجوا للشارع في تلك التحركات ، ولو كان واضحا ، من طبيعة الشعارات المرفوعة ، أنهم من أتباع اتحاد الشغل ، سواء منخرطين أو مجرد أنصار ، ولعل من المحاولات القليلة التي اطلعت عليها  ، نفي لأن تكون الأحزاب موالاة أو معارضة ، قد شاركت أو قادت تلك التحركات ، وحتى حزب حركة النهضة الذي سيدعي لاحقا أنه كان من بين قيادات الحراك ، قد انكمش أيامها خوفا من أن تسقط على رأسه مطارق النظام.

لعل اليسار وحزب العمال هما الأقرب لأن يكونا قادا التحركات تحت راية الاتحاد العام التونسي للشغل ، الذي وقفت قيادته أيامها في موقف لا يمكن أن يوصف بأنه مؤيد للحراك حتى لا نقول للثورة .

وخلال القصبة 1 والقصبة 2 حيث تجمع الألوف إن لم يكن أكثر قادمين من كل حدب وصوب ، لاحظنا خلو وفاض أعداد  كبيرة من أي مطلبية سياسية ، وخاصة انتخاب مجلس تأسيسي وسن دستور جديد، وهذا ما يفسر فشل القصبة 3 ، باعتبار أن مطالب تلك الجماهير كانت اجتماعية لا سياسية.

وكانت الحصيلة :

1/ سقوط بن علي وبقاء نظامه

2/ تحويل وجهة الثورة بامتصاص زخمها وتحويله عن مقاصده الأصلية ، وتحقيق استفادة كبيرة للنهضة التي لم تشارك في الثورة  ولكنها ركبتها ، وإن كانت شاركت بقسط كبير في زعزعة النظام بتضحياتها ، هي والمعارضات الراديكالية العلمانية.

3/ الابقاء على أركان الدولة العميقة مع محاولات  النهضة فرض  ملامح    سياسات التمكين ، ، عبر هنات دستور جديد يحمل في طياته تناقضات كبيرة ، ويمنع قيام استقرار يدفع بالبلاد إلى الأمام ..

fouratiab@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

السبت، 28 نوفمبر 2020

الصواب : تونس إلى أين

 

تونس إلى أين؟

بقلم عبد اللطيف الفراتي

الصواب / تونس /28/11/2020

قبل ثلاثة أشهر التقينا مجموعة ممن نسمي أنفسنا من المثقفين يتوسطنا الزميل والصديق صالح الحاجة، الصحفي والكاتب الكبير، تساءلت في عفوية: "تونس فين ماشية؟ إلى أين هي سائرة " ،أجاب صالح الحاجة في لهجة استنكارية " مشات ووفات " بمعنى أنها انتهت .....كان اعتقادي أن الصديق الزميل متشائم جدا ، ورغم أني أكرر وأعيد التكرار منذ 9 سنوات ، إن لا شيء يسير على الطريق الصحيح ، ضمن عشرات المقالات التي نشرتها ، على هذه المدونة، أو في صحف ورقية أو إليكترونية أخرى ، في الداخل والخارج ، فقد بقي لي بصيص أمل ، في أن تونس بما فيها من خبرات عالية ، يمكن أن تعود إلى الطريق القويم ، وتخرج من المتاهات التي قادتها إليها 5 أو ستة انتخابات ، لم تتوفق  فيها إلى العثور على الكفاءات القادرة على إخراجها من المأزق، وفتح طريق مؤدية أمامها،  للواقع ليس لنا أن نلوم إلا أنفسنا ، فنحن لم نحسن اختبار قياداتنا التي يمكن أن تخرج بنا من عنق الزجاجة  ، بل كانت اختياراتنا عاطفية هووية إيديولوجية وبالتالي كارثية.

فقط رقم واحد أسوقه اليوم ولن أعود، لقد كان معدل الدخل الفردي في تونس سنة 2010 خمسة ألاف دولار، وهو اليوم في مستوى 3400 دولار؟؟

وفي كل البلدان التي شهدت ثورات حقيقية، في أوروبا الغربية، وأوروبا الشرقية، وأمريكا اللاتينية، وإفريقيا، وبعد سنتين أو ثلاثة من التذبذب تجد طريقها نحو التنمية ولا أقول النمو، بمعدلات أعلى مما كانت عليه في زمن الاستبداد، إلا عندنا حيث استبدلنا نسبة نمو بـ 5 في المائة سنويا لم نكن لنرضى بها، بنسبة نمو بصفر في المائة طيلة العشر سنوات المنقضية.

بعد هذا لماذا نستغرب مما يحدث حاليا، من اضطرابات مجتمعية ولا نقول اجتماعية، تتهدد وحدة الوطن وسلامته، خصوصا إزاء تفكك الدولة، وعجز الحكومة الحالية عن استقراء الأحداث وما يمكن أن يتمخض عنها، في غياب الحس السياسي الذي لا يمكن أن يدركه التكنوقراط، ممن ليس لهم تجربة بالفعل السياسي، من رئيس الجمهورية إلى رئيس الحكومة والوزراء، إلى رئيس البرلمان، الذي يقبع في أواخر الترتيب في كل عمليات استطلاع الرأي، وفي غياب شعور طاغ بتآكل الإحساس بالانتماء إلى وطن، نتقاسم فيه وفي كل الأحوال الحلو والمر.

من لم يدرك للآن، فليدرك أن وطننا يشهد خطرا محدقا، وأن هذا الخطر يتهدد بلادنا بأن تتحول من وطن موحد، إلى أشتات لا يجمعها جامع وعندها لا تنمية ولا هم يحزنون، أشتات تتكالب على فريسة باتت سهلة المنال لفرقتها وتشتت كلمتها وغياب الدولة وهيبتها.

 نبهنا الأميرال كمال العكروت مستشار الأمن القومي زمن الباجي قائد السبسي، وهو من هو، علما بتاريخ هذه البلاد ونظر استشرافي  وبصيرة نافذة ، نبهنا  الأميرال  إلى ما ينتاب وطننا من أدواء خطيرة، في حديث صحفي، وإلى ما ينتظر وطننا ولا أقول بلادنا، من اهتزازات لا يعلم أحد مداها، ولنتذكر معا أن شهر جانفي ( يناير كانون الثاني) ، هو شهر الانتفاضات في بلادنا وفي غيرها من البلدان، قد ينتهي إلى مآسي  ربما تكون اعظم وأخطر أثرا من كل ما عرفناه من قبل. خطر يتهددنا بمصير مخيف.

fouratiab@gmail.com

 

الاثنين، 23 نوفمبر 2020

 

الصواب : سانحة

سانحة :

كيف تتحول أكبر دولة

ديمقراطية

في العالم إلى دولة متخلفة ؟

تونس / الصواب /22/11/2020

الدول على شاكلة قادتها، فمن كان منهم متخلفا عقليا، أو مصابا بمرض العظمة والنرجسية المفرطة، فإن العدوى تصيب بلاده أو جزء من سكان بلاده سواء كان كبيرا أو صغيرا. وهذا حال الولايات المتحدة اليوم.

فأمريكا أكبر قوة في العالم سواء حسب مستوى دخلها أو ما يعبر عنه بالناتج الداخلي الخام، أو من حيث القوة العسكرية، أو من حيث المستوى العلمي والبحوث والاكتشافات والاختراعات، أو من حيث عدد الجامعات وتقدمها على جامعات العالم، أو من حيث عدد جوائز نوبل أو غيرها من الجوائز، هذه الدولة أسقطها رئيسها المنتهية ولايته في عداد الدول المتخلفة أو شيه المتخلفة.

فإصراره في البقاء في رئاسة الولايات المتحدة ، وكل الدلائل تشير إلى سقوطه في انتخابات الرئاسة التي جرت في 3 نوفمبر 2020، تبدو وكأنها نسخ لما تشهده الدول المتخلفة في العالم الافريقي والامريكي اللاتيني أو العربي-المسلم، أو من كان من الدول وراء الستار الحديدي، إذ ترتفع العقيرة بالاتهام بتزوير الانتخابات وتزييف النتائج، وأن كان ذلك يكون محقا في غالب الأحيان في البلدان المتخلفة، فقد تسربت عدواه إلى الرئيس  المنتهية ولايته في  أمريكا ، والذي يسعى للحفاظ على منصبه مهما كان من أمر، ورغم أن صناديق الاقتراع قالت كلمتها كما عمليات التأكد المتكررة ، وإذ من حق أي مرشح للرئاسة في الولايات المتحدة ، أن يطعن في نتائج ولاية أو ولايتين من الولايات الخمسين، فإن القول  بتزييف على نطاق واسع، ليس من الأخلاق في شيء ، فضلا عن أنه طعن في ديمقراطية دولة تعتبر بطلة الديمفراطية في العالم ، ويكاد يرقى إلى طعن في الظهر، خصوصا مع جر جماهير كثيرة إلى الشك في بلادهم ومؤسساتها، حارسة الديمقراطية ، ولم يحدث مثل هذا خلال قرنين من الزمن أو تزيد ، إلا مرتين وبالرجوع للوثائق، في بدايات  سنوات الـ 1800، وعندما لم تكن الديمقراطية ، وممارساتها قد ترسخت لا في أمريكا ولا في غيرها من الدول ، التي تعتبر اليوم ديمقراطية ولا يتطرق الشك في ديمقراطيتها.

ما أقدم عليه ترامب هو وصمة، توحي بأن بلاده ليست فقط غير ديمقراطية، بل لعلها دولة متخلفة، إن لم يكن ماديا فعلى الأقل معنويا وسياسيا وأخلاقيا، وإذ سيمسح التاريخ اسم ترامب مهما كان عدد أنصاره اليوم ،فإنه كرئيس للولايات المتحدة  لن يترك بصمة إيجابية تذكرها له الأجيال  المقبلة .

fouratiab@gmail.com

 

الأحد، 22 نوفمبر 2020

من الذاكرة : الكمامة وما أدراك ما الكمامة

 من الذاكرة : الكمامة وما أدراك ما الكمامة 

من الذاكرة

يكتبها عبد اللطيف الفراتي

تونس / الصواب/19/11/2020

القناع الواقي

القناع أو ما اصطلح على تسميته بالكمامة، ليس جديدا، غير أننا لم نتعود على رؤيته أو استعماله ليس فقط في بلادنا، بل في المنطقة التي نتحرك فيها عربيا إفريقيا وأوروبيا، ولقد سبق لي شخصيا أن عشت مع الأقنعة أو الكمامات فترة تناهز ما يقارب الشهر.

كان ذلك في الصين في سنة 1977.

كانت توجهت الدعوة من الحكومة الصينية لاستضافة وفد صحفي تونسي، وربما وفود من بلدان أخرى، بمناسبة تنصيب الأمين العام الجديد للحزب الشيوعي الصيني، تعويضا لماو تسي تونغ المتوفي قيل شهرين.

كنا 5 أو ستة ، عمر بلخيرية مدير صحيفة لابريس وعضو اللجنة المركزية ( لم يكن وقتها هناك موجب للقول للحزب الاشتراكي الدستوري ) والعربي عبد الرزاق مدير جريدة العمل وعضو الديوان السياسي وعضو البرلمان وعبد السلام الديماسي  نائب مدير الإذاعة والتلفزة ومنصف النفزي رئيس تحرير جريدة لاكسيون وأنا وكنت مجرد سكرتير تحرير عن  جريدة الصباح ولم أكن ارتقيت وقتها إلى نائب رئيس تحرير وكان لا بد أن تأتي سنة 1981 لأرتقي إلى رتبة رئيس تحرير ثاني ، تحت إشراف عرفي ومعلمي رئيس التحرير الأول عبد الجليل دمق، وكان يقود الوفد محمد الفراتي رئيس ديوان وزير الثقافة والاعلام وقتها  الشاذلي القليبي ، وهو والد هشام الفراتي وزير الداخلية لاحقا  ،وسفير تونس في السعودية حاليا.

قضينا في الطائرة حوالي 20 ساعة بمراحل في باريس وأثينا ثم كراتشي وصولا إلى بيكين، ليلا.

في اليوم التالي كنا على موعد مع حدث كبير كما قيل لنا.......  بعد  إرهاق شديد ، فادنا إلى نوم عميق.

كان الحفل رائعا بدأت بشائره منذ الصباح تحت نافذة الفندق الذي خصص لنا ، وبالأحرى القصر الكبير الذي كنا بعددنا الضئيل نرتع فيه.

حضرنا حفل تنصيب خوا كو فونغ الأمين العام الجديد للحزب الشيوعي الصيني، ألقى الرجل كلمة من 15 دقيقة تولى المترجمون ترجمتها لنا باللغة العربية.

وكنا محاطين بجمهور كله من الصينيين، وإذا كان هناك، ضيوف أجانب، فلم نرهم حيث كانت المنصة كبيرة جدا ربما تكفي لعدة عشرات من الألوف.

 نبهونا مسبقا إلى أنه بانتهاء الحفل، علينا أن نعود للفندق سريعا وكان على بضع عشرات الأمتار من المنصة، الرسمية، وقد تركنا الساحة أمام " تيان أن مين " الشهيرة "بوابة السماء"، تزخر بمليون ونصف من الحاضرين بصنجات الموسيقى الصينية.

 دلفنا بسرعة إلى الفندق، فكان علينا أن نكون جاهزين بعد عشرين دقيقة، لتنقلنا السيارات الفارهة اثنين في كل سيارة، نحو محطة القطار، ليأخذنا في جولة عبر مقاطعات عدة.

بعد نصف ساعة بالضبط على نهاية حفل التنصيب شقت بنا السيارات، الساحة الكبرى، التي كانت تعج بمليون ونصف من الجماهير، فإذا بها خاوية على عروشها لا أحد فيها، أفرغوها في دقائق، وكانت من النظافة المفرطة بحيث لا يصدق المرء أنها، كانت قبل دقائق تعج بمليون ونصف المليون من البشر المنضبطين.

في الطريق نحو محطة القطار، اكتشفنا أمرين اثنين:

أولهما أن الضوء الأحمر في الطرقات، هو إشارة حرية المرور، وأن الضوء الأخضر هو إيذان بالتوقف، باعتبار أن الضوء الأحمر هو لون الثورة، والتقدم للأمام.

وثانيهما هو كثرة الذين يضعون أقنعة (كمامات) على وجههم، وعند سؤال المرافق في السيارة، تهرب من الجواب، قهو مجرد مترجم لا يجيب على الأسئلة، وهناك من المرافقين من يجيبون على الأسئلة ودوما بلغتهم الصينية.

 عرفنا لاحقا الجواب على إشارات المرور، والسر وراء لباس الأقنعة، ففي الصين وكان الطفس باردا جدا أيامها، كانوا يحتاطون من النزلة الأنفلوانزا، بوضع الكمامات حتى لا تقع العدوى، وفسروا لنا أنهم يسعون حتى لا يمرض أحد، بسبب الوقاية أولا، وحتى لا يتغيب أحد عن عمله ثانيا، لأنه ليس فقط  مصدر رزقه، بل لأنه  أيضا إسهام في الثروة الوطنية.

هكذا إذن شاهدنا في يومنا الأول في الصين، مظاهر الانضباط، وهو متواصل لليوم ليس في الصين وحدها، بل في كل المنطقة في أقصى شرق أسيا، من ماليزيا إلى كوريا إلى فيتنام إلى اليابان وغيرها، وهي ثقافة أخرى، جعلتهم يسلمون من كوارث جائحة الكورونا بعكس مناطق العالم الإخرى. fouratiab@gmail.com

 

 


الأحد، 15 نوفمبر 2020

الصواب : الأمل الضائعالصواب : الأمل الضائع

 

الصواب

الأمل الضائع

بقلم  عبد اللطيف الفراتي

تونس/ 12/11/2020ع

عندما كان المناضلون يناضلون ضد الاستبداد ومن أجل حرية التعبير وفرض الديمقراطية بكل مقوماتها، كان اقتصاديون من الجهابذة، يتوقعون نسبة نمو بزيادة 2 في المائة  في حالة قيام نظام ديمقراطي مقارنة بنسبة نمو محققة تراوح  5 في المائة ، وعن  تلك التي كانت مسجلة معدلا غي سنوات التسعين والألفين ، قامت الثورة بكل الآمال التي علقت عليها ، بما قدمته من ضحايا قتلوا أو جرحوا  وسجنوا وتم نفيهم ،على مذبح الحرية ومن أجل الكرامة والشغل  للجميع ، وعلى أمل كف سرقة الأموال العامة .

كان ذلك هو الأمل ، فما هو الحال ونحن على أبواب اندلاع الثورة في 17 ديسمبر 2010 أي بعد أسابيع قليلة.

هل تحقق الأمل ؟ وهل تحسنت أوضاع الناس ؟ وهل كانت الحكومات المتعاقبة في مستوى محط الثقة بعد ثورة وعدت بالكثير؟

الجواب بالوضوح الكامل وبدون تردد لا ، فالثورة تمت سرقتها ، والحكام لم يأتوا من رحم الثورة بل ركبوا ظهرها ، وساموها سوء العذاب ، ومن المؤلم اليوم وبعد عشر سنوات أن يتمنى الكثيرون للأسف  عودة النظام السابق ، تجليات ذلك في أن تكون عبير موسي وجزبها في طليعة استطلاعات الرأي ومن بعيد في احتمال إجراء انتخابات تشريعية ، وهي التجلي الواضح للرغبة  في العودة إلى الوراء ،  ولو للتمظهره الاستبدادي المرافق  بمظاهر سرقة أموال الشعب..

يشكو الناس بعيدا عن تدهور مؤشرات الاقتصاد الكلي البارزة للعيان في زيادة مديونية الدولة بـ 150 في المائة في عشر سنوات ، وانخرام توازنات المالية العمومية   ، وتدهور حال الميزان التجاري ، وانهيار العملة الوطنية  وتراجع نسب الادخار الوطني ونسب المخصص للاستثمار، في إشكالات ما ينتاب الحياة اليومية للمواطن من ضيق غير مسبوق للعيش ، عبر تقلص الطاقة الشرائية، وتوسع دائرة الفقر ، وهبوط خاد في قدرات الناس على مواجهة تكاليف الحياة ، وفي  أحوال قليلة حافظت الطبقة الوسطى العليا على مستويات قريبة مما كانت عليه ، وفي غالب الأحيان انحدرت تلك الطبقة إلى مستوى الطبقة الوسطى المتوسطة فيما انحدرت الطبقة  المتوسطة الدنيا إلى أعتاب الفقر، فيما ارتفعت نسبة البطالة إلى ما بين 14 و18 في المائة  من طاقة العمل حسب مختلف التقديرات.

من هنا لا يستغرب الأمر أن يرفع أحد الناس عقيرته ، في سوق عمومية داعيا إلى عودة النظام القديم ، فيصدق الناس حوله على أقواله ويرددون صياحه.

ما سبب أن يتحول أمل كبير إلى يأس قاتل، لعل أكثر تمظهراته من وجهة نظرنا،  ليس تلك الاعتصامات المنتشرة بل محاولة ترك البلاد والهروب منها ولو بخطر الغرق والوفاة.

نظرة سريعة على وضعنا خلال عشر سنوات من التخبط :

** قلة استقرار في الحكم بكل ما يعني من غياب استطاعة تحديد سياسة أو ضبط ملامح سياسة .(7 أو 8 حكومات عدا التعديلات الوزارية)

** رفض اتباع سياسة يفرضها الواقع من إصلاحات عميقة ، وكان الوزير حسين الديماسي استقال بعد 6 أشهر من تعيينه في 2012 بسبب رفض حكومة الجبالي خوض غمار إصلاحات متأكدة  وموجعة ، كان يمكن تمريرها في ذلك الوقت والحماس للثورة على أشده ، هذا الاحجام عن الاصلاح أدى بالبلاد لدخول متاهات مجهولة المصير، تجني البلاد علقمها حاليا.

** بدل الإصلاح انصرفت البلاد لمعارك حول الهوية، والرغبة الجامحة بالدخول في مغامرة تغيير النمط المجتمعي، الذي استقر عليه الناس منذ180 سنة وتأكدت توجهاته منذ 1956.

** انصراف المنظمة الأولى والمؤثرة أي اتحاد الشغل بعيدا عن كل روح مسؤولية إلى مطلبية مشطة، أفقدت البلاد وخاصة التوازنات المالية للدولة كل توازناتها، بحيث بلغ مقدار الأجور 20 في المائة من الناتج فيما المقياس العالمي المتفق عليه هو 10 إلى 11 في المائة على أقصى تقدير ما يشبه الوضع الذي انتهت إليه فرنسا تحت حكم الجمهورية الرابعة، وديكتاتورية الـ س ج ت، وهو نزيف أوقفه الجنرال ديغول عندما وصل للحكم في 1958هو ووزيره للمالية بيناي.

** عدم قدرة الحكومات المتعاقبة بعد فوات فرصة 2012 على إثر الثورة، سواء على إيقاف نزيف الأجور بدون مقابل إنتاج، وإنشاء وظائف وهمية، والاستجابة غير المحسوبة النتائج لزيادات في الأجور أثقلت كاهل ميزانيات الدولة، وأوصلتها إلى العجز الفادح، وأوصلت مؤسسات القطاع العام والقطاع الخاص إلى حالة من عدم القدرة على المنافسة بلغ الأوج دفع ثمنه المستهلك التونسي بأسعار غالية وجودة متدنية.

**عدم الاقدام على تطهير القطاع العام الذي بدل أن يكون ممولا لميزانية الدولة، بأرباح من المفروض أن يسجلها، ويحولها لميزانية الدولة، بات عبئا على ميزانية الدولة لتغطية خسائره المتراكمة، وسداد ديونه المتصاعدة. كل هذا فضلا عن ديكتاتورية الخط الأحمر للتصرف في القطاع العام غير التنافسي الذي من المفروض أن يوفر فائضا تصرفيا ويدفع أداءات محمولة عليه وانخراطات في صناديق التأمينات الاجتماعية ، وهو مقصر في ذلك وللحديث بقية .

fouratiab@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

الخميس، 14 مايو 2020

سانحة : ....وذهب عملاق آخر إلى الخلود

سانحة

يكتبها عبد اللطيف الفراتي
واحد بعد آخر ..
الشاذلي القليبي يغيبه الموت
فيترك فراغا كبيرا في الساحتين الثقافية والسياسية
تونس / الصواب / 13/05/2020
مما يزيد من لوعة الحسرة  والفراق ، أن يـــموت رجل مثل الشاذلي القليبي ، ولا نستطيع مرافقته إلى مثواه الأخير، في هذا الزمن السيء بكل المقاييس ، مثلما حصل لي قبل أربعين يوما ، عند وفاة صهري زوج ابنتي الكبرى ، على صغر سنه نسبيا، فلا نستطيع مرافقته إلى مثواه الأخير,,
نفس الإحساس ونفس الظروف ، أن يموت قريب على صغر سنه  هو هشام المراكشي ، ونفتقده فلا نلتقيه  حتى ميتا بطعم حاد للمرارة ، مصيبة كبرى ، وأن يموت عملاق مثل الشاذلي القليبي ، مصيبة بطعم آخر في مرارته في الحلق ولا نتمكن من تشييعه .
كان الشاذلي القليبي يملأ الساحة ، بعلمه وهدوئه ، ودماثة أخلاقه ، وكفاءته وتفانيه في خدمة الصالح العام ، بدون ضجيج ولا ادعاء.
منذ أن جاء من فرنسا حاملا للتبريز في اللغة العربية وآدابها، وهو في عمل دؤوب لفائدة بلاده،  ولفائدة الأمة العربية جمعاء ، والانسانية كلها.
أقتربت منه كثيرا ، وإذ ليس غريبا أن أحمل له تقديرا بلا حدود ، فلن أكون مدعيا إذ أقول إنه كان يحمل هو نفس الشعور تجاهي ، لم يكن يفصح عن ذلك ، ولكني كنت أستشف ذلك منه شخصيا ، ومما كان ينقله لي أقرب المقربين إليه وخاصة أحمد الهرقام ومحمد المغربي .
وحتى نعرف معدن الرجل بلا رتوش سأتوقف ، عند أربع  محطات تبين عمق فكر ، وأخلاق الرجل:
أولها في السبعينيات من القرن الماضي ، وكنت صحفيا شابا، ولكني كنت لسبب ما أحوز على رضا عدد من المسؤولين وكبار القوم ، وفي نفس الوقت على استهجان بعضهم وفي كثير من الأحيان رضا واستهجان نفس المسؤولين ، في أحد الأيام ولم أكن أحمل أية مسؤولية ، لا في صحيفة الصباح ، ولا في المجتمع المدني وخاصة جمعية الصحفيين التي توليت فيها مسؤوليات عديدة ، قبل أن أصبح رئيسا لها، دعتني كاتبة السيد الشاذلي القليبي إلى مكتبه ،وكان بيننا في جريدة  الصباح والوزارة مائة متر ، بين نهج علي باش حانبة ، ونهج الجزائر ، دخلت مباشرة إلى مكتبه ، حيث وجدته مضطربا ، فكان قد صدر أمر باحتجاز جريدة تونس هبدو، استدعاني ولم أكن أحمل صفة رسمية ليقول لي : لست مسؤولا عن إيقاف الجردة ، وأنت أول من تعرف أنني ضد النيل من حرية التعبير ، وسأسعى جاهدا للرجوع في هذا القرار ، فهمت الرسالة ، وبلغتها على أنها معلومة من عندي ، وخف جو احتقان ساد يومها ، وكان له الفضل في رفع القرار.
وثانيها  وهو حديث عهد بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية في أواخر السبعينات  ، عندما دعاني إلى مكتبه ، كان أمامه مقال للدكتور كلوفيس مقصود ، وهو كاتب وسياسي لبناني مرموق ، كان كتب مقالا رائعا في صحيفة النهار العربي والدولي ، التي كنت مراسلا لها في تونس ، طلب مني الشاذلي القليبي أن أسعى بصفة غير رسمية ، للاتصال برئيس التحرير أيامها عبد الكريم أبو النصر ، وأنظم معه استقدام الدكتور مقصود إلى تونس،  من مقره في بيروت ،  لمقابلة في إطار التكتم مع أمين عام الجامعة العربية ، وفعلا تم ترتيب الأمور ، ووصل الدكتور كلوفيس مقصود إلى تونس في طي الكتمان ، وانتظرته بسيارتي أمي 8 الزرقاء  الصغير ، في المطار ، ورافقته إلى مقر الجامعة العربية في شارع خيرالدين باشا، أوصلته إلى الطابق السادس وانسحبت إلى مكتب أحد الأصدقاء الكثيرين بمقر الجامعة ، دون أن أنسى تنبيه السكريتيرية الخاصة بالأمين العام إلى حيث أنا متواجد ، دامت المقابلة ساعة ونيف ، ثم تمت دعوتي لاصطحاب الدكتور كلوفيس مقصود إلى فندق أفريكا،  حيث كنت حجزت له " سويت"، صاحبت الدكتور للفندق ، ولم يحدثني بشيء ، قدرت تحفظه ، أوصلته حتى الاستقبال واطمأننت إلى أنه تسلم مفاتيح غرفته، عشية نفس اليوم صدر عن مكتب الأمين العام  ، قرار بتعيين الدكتور كلوفيس مقصود سفيرا مندوبا للجامعة العربية في الامم المتحدة ، وكان أفضل سفير للعرب في المنتظم الأممي على مدى 10 سنوات ، بصوته الصادح وتحاليله المقنعة وقدراته الخارقة على التواصل، ولن أطيال في الحديث عن فراسة الشاذلي القليبي في اختيار المساعدين المقتدرين ، في الإدارة التونسية ، ولكن سأتوقف عند من كان له فضل اختيارهم ، وهو أمين عام للحامعة الغربية ، ومنهم حمادي الصيد كسفير للجامعة في باريس ، حيث أمكن له بعلاقاته الواسعة وفصاحته وسيطرته على أعقد الملفات ، أن يعطي للقضية العربية بعدا لم تكن له سابقة ، وثالثة الأثافي  عندما عين أحمد الهرقام سفيرا للجامعة العربية لدي ديوان الأمم المتحدة في جنيف ، حيث يتم التحضير لأهم القرارات التي تهم الصراع العربي الاسرائيلي، رافق ذلك إدارة إعلامية نشيطة في المقر بتونس بمحمد المغربي وعبدالله عمامي واللبناني وليد شميط ، وقد تفطن الشاذلي القليبي وهو رجل الثقافة والإعلام ، إلى الدور البارز لكليهما في تشكيل رأي عام مساند للقضايا العربية.
وثالث موقف شهادة هو أني وكنت في 1979 حديث عهد بالمسؤولية في جمعية الصحفيين ، عندما دعاني يوما ، وسألني عن مقر الجمعية ، وكان يراها " بالعين الكبيرة " كما يقول مثلنا الوطني ، وهو الذي تم استدعاؤه لمقرات نقابات وجمعيات الصحفيين،  للمحاضرة في نيويورك وباريس والقاهرة ، ورجاني أن أتدبر مقرا لائقا للجمعية ، على أن تتولى وزارة الثقافة والاعلام تمويل تكاليف الكراء والتأثيث ، وقبل يوم من مغادرته للوزارة ، ليتولى الأمانة العامة للجامعة العربية ، سلمني شخصيا وباسم الجمعية ، صكا بمبلغ الكراء والتأثيث ، بعد أن كنت قد قدمت فاتورة ، في تلك التكاليف ، وكانت تلك أول مرة تنتصب فيها الجمعية في مقر لائق في نهج النمسا في قلب العاصمة.
ولن أطيل أكثر ولكني سأذكر أن الشاذلي القليبي ، كان هو محرروكاتب الخطب الرسمية للرئيس بورقيبة ، وكان تأثيره كبيرا فيها ، ولعل أبرزها ذلك الخطاب ، الذي أعلن فيه بورقيبة ،عن أنه لا " يرى مانعا في قيام أحزاب غير الحزب الحاكم ، وهو نص تاريخي باعتبار ظروف ذلك الزمن في 1980/1981 ، تم تصوره في الصيغة المقبولة من الرئيس بورقيبة ، بالتعاون بين الشاذلي القليبي ومحمد مزالي الوزير الأول آنذاك.
وخلاصة القول ، أن الشاذلي القليبي لم يكن أقل من مؤسسة قائمة الذات بشخصه وهدوئه وسلامة سريرته ووطنيته ونجاعته.