Citation
رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاء بأفضل من قولنا قبلناه. الإمام الشافعي
الاثنين، 31 أغسطس 2026
...وبلغ السيل الزبىالصواب : .. وبلغ السيل الزبى
يكتبها عبد اللطيف الفراتي
تونس/28/08/2026
كانت العائلة تدعوني لتناول العشاء، بعد حقنة الأنسولين، فالأمر يتطلب سرعة الأكل، وأنا جالس أمام الكومبيوتر أنهي الفقرة الأخيرة من مقال أعددته لمدونتي الصواب مرتبط شديد الارتباط مع ما نعيشه من غياب الماء والضوء.
كانت الحنفية لا تدر ماء من أول العشية، ولغسل يدي باستمرار قبل االبسملة وتناول الطعام كان لا بد من يصب على يدي الماء كما في العهود الخوالي ، ولم يكن لنا في البت ذلك الابريق النحاسي وبقية عدنه "طشت" كما كنا صغارا.
وقفت متثاقلا، وانحنيت مكرها لضغط مفتاح التسجيل بعد أن انتهيت من تحبير مقال تطلب مني عناء بأربع ساعات.
فجأة انقطع النور، وأظلمت دنياي قولا وفعلا، بتنا في ظلام داس، نتلمس مواضع أقدامنا في حذر، وفعلا لأن أربع ساعات من الجهد المضاعف وأنا كليل البصر، امحت في لمح البصر وذهبت هباء منثورا.
يا الله .. الصبر الصبر، وكيف يأتي الصبر؟
انهارت قوائمي (فقد شبهت نفسي بحيوان جريح لم يعد قادرا على الوقوف، في بلد شغرت فيه في ذلك الوقت أنه لم يعد هناك فارق بين حيوان وإنسان وقصدا وضعت الحيوان قبل الانسان، فأنا لم اتخذ احتياطي بتسجيل ما أكتب كل ربع ساعة على الأقل).
لم تعد لي شهية للأكل، على ضوء تلك الشمعة الواحدة والوحيدة في البيت القريبة من الإنطفاء.
كنا بحثنا قبل أيام بون جدوى عن شراء لمبارة (بيل) فلم نجد كان الناس أسبق منا .
وفي مرحلة ثانية بحثنا في الأسواق عن الشمع، ولكن ذهبت جهودنا سدى.
ذابت الشمعة وانطفاء الضوء . لم يعد الماء للحنفية، ولم يعد الضوء لا للفوانيس ولا للثلاجة ولا الانترنت ولا للتليفزيون، ولا للفايس بوك ولا للتيك نوك .
نضب مخزون الحديث بيننا، بعد أن حضنا في الحالة التي أصبحت عليها البلد مما لم يسبق لها أن شهدته. انبريت شخصيا للقول إن ما نراه لم يسبق له مثيل في حياتا ، وهو نتيجة لانعدام الرؤيا وقصور في الاستشراف ، وليس كما يروجه بعض كبار المسؤولين ، أمرا لا مدبرا ولا مؤامرة ، وقد أصبحت تهمة التآمر موضة العصر في بلادنا، التي فقدت فيها الكلمة الحرة وضعها وأصبحت مطاردة خوفا وهلعا.
ذهب أفراد العائلة ضيوفا وعير ضيوف كل إلى فراشه يتقلب فيه المرء أرقا من شدة الحرارة الاستثنائية التي تعيشها البلاد تحت وطأة القيظ و"الكتنيكول".
غادرت الغرفة إلى الشرفة لعلي أظفر ببعض الاوكسيجين الذي عز علي تحت سقف البيا، فأنا مصاب بالربو أو الفدة، تناولت حبتين " ديسلور" لتخفيف الإحساس بالاختناق.
شغلت نفسي بالتطلع إلى الفضاء الممتد أمامي فإذا بظلام بلفه ظلام، حتى السيارات هجرت الشارع.
إذا كنت أنا وفي بيتي لم أعد أعرف ما أفعل أمام هذا الشعور بالعجز منذ ساعات ، ولا مكيف هواء أو حتى مروحة كهربائيةـ، فكيف يعيش هؤلاء الذين يعمرون السجون، وقد سلبت منهم حريتهم ويعيشون ضنكا ما بعده ضنك، فمع فقدان الحرية ما هي ظروف السجن في مثل هذه الاحوال التي فقدنا الطاقة على احتمالها لمدة ساعات قد تطول أو تقصر.
ذهب بي التفكير بعيدا وقد قضيت خلال سنوات عملي الصحفي 66 سنة، ما كنت قد اقتنعت به من أن المحاكمات السياسية التي قمت بتغطيتها لم تكن مقنعة لي وأني وإن كنت دوما أقوم بتغطية موضوعية وأنقل مجرياتها بكل أمانة ، فإني بكل إحساسي كنت أشعر أني بكل جوارحي أقف إلى جانب المدعى عليهم وليس أصحاب الأمر والتهي.
يا رب اشهد فإني وإن كنت في هذه السن العالية فقد بلغت ، اعتمادا على تمسكي الدائم بشرف المهنة الصحفية وهي مهنة شرف كما أعتقد في أعماق نفسي مارستها دائما بشرف، وشرف لي أن أنتمي إليها ، وتمكننني من أن أصدع بالحقيقة.
fouratiab@gmail.com
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق