Citation
رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاء بأفضل من قولنا قبلناه. الإمام الشافعي
الأحد، 27 سبتمبر 2026
الصواب – استشراف مالي
رأينا صواب يحتمل الخطأ
ورأي عيرنا خطأ يحتمل الصواب
موسم موازنات الدولة المالية
يكتبه عبد اللطيف الفراتي
تونس/16/09/2026
في سابق العهد والزمان أيام كنت أرأس تحرير جريدة الصباح ـ وحتى قبل ذلك ، تخصصت إلى جانب أغراض أخرى كل سنة في تحليل أرقام ميزانية الدولة وخفاياها والاستنتاجات التي أتولاها ، وما سيكون من أثر على الناس في دخلهم ومصارف ذلك الدخل، ومقصد الحكومة من تحقيق نسبة النمو ومقدار الاستثمار وتوجهات الانفاق الحكومي والخاص وتوجهات الاستهلاك واستنتاجات نمو الثروة والتأثير على سوق الشغل نحو القضاء على البطالة، وكان ما يقود الخطوات هو الميزان الاقتصادي ومخططات التنمية بالرجوع إلى المذكرات التوجيهية لتلك المخططات التي ترسم العوائق من جهة والاهداف المقررة من جهة أخرى.
واعتمدنا آنذاك نقدا للسياسات المالية اعتمادا على المعرفة الشخصية وآراء الخبراء الناقدين.
وللحقيقة فقد كانت الصراحة كاملة في تناول هذه الشؤون، التي لم تكن للواقع تهم إلا طبقات مفكرة من جمهور القراء الكثيرين، وكنا نستهدف طبقة القراء المثقفين والمقررين في الدولة والمؤسسات تنير لهم الطريق.
وكان الحذر يقود خطانا ،ولكننا كنا نصارح بلهجة الرفق بما لا يتلاءم مع ما نراه من مصالح المجموعة حتى جاء اليوم الذي " غادرت" فيه رئاسة التحرير، وتم الطلب لرئاسة التحرير الجديدة ، الكف عن نشر هذه السلاسل من تحليل الميزانية، ولست واثقا إن لم يكن ذلك من الإدارة الجديدة في الجريدة، التي لم تكن ترى فائدة من وراء نشر ذلك، لكسب القراء باعتبار أن ذلك " عسير الهضم على القارئ، الذي يفضل المحتوى الخفيف"، ورغم ذلك فقد هاتفني عشرات القراء، إن لم يكونوا بالمئات ، من الكوادر العليا للدولة والقطاع الخاص سائلين عن غياب تلك التحليلات التي كانوا يرونها جد مفيدة.
وللحقيقة ورغم أني دعيت مرات للتحقيق أمام القضاء، وحتى مثلت أمام المحاكم فإني لا أنا ولا غيري من الصحفيين، تم الزج بنا وبهم في السجن ولا حتى لمجرد الإيقاف ، خلال فترة حكم الرئيس بورقيبة ولا فترة حكم الرئيس بن علي.
وكنا خاضعين لقانون 1959 ولاحقا لقانون 1975ـ وكنا كصحفيين ننادي بتحرير قوانين الصحافة، وإلغاء العقوبات السالبة للحرية في شأن العمل الصحفي، وللواقع لم تكن مسلطة عبينا تلك العقوبات، وإن كان هناك طرق أخرى للتضييق عبر منع الارتزاق ومحاولات التجويع.
وقد شهدت الصحافة أزهى أيامها في العشرية التي نعتت بالسوداء بعد صدور نصين تقدميين يطلقان المجال ، صدرا في عهد رئاسة حكومة الباجي قائد السبسي مباشرة بعد الثورة.
وقد تم استعمال المرسوم 54 وأدوات أخرى لعكس ما كلن عليه الأمر وباتت العقوبات السالبة للحرية أمرا متكررا في مخالفات الصحافة وما تم إلحاقه بها في تناقض كامل مع ما تنص علبه المواثيق الدولية.
وإذ انزحنا عن منطقنا في أول هذا المقال ، فإن موسم إقرار ميزانية الدولة ودراستها يعتبر فترة مناسبة لكل من يرى في نفسه الكفاءة أن يدلي بدلوه.
** والبدء لا بد أن يكون بإقرار ما يرقع نسبة النمو إلى 5 في المائة أو أكثر من ذلك، وهذا ما يمكن من استيعاب طاقة العمل الوافدة سنويا لسوق العمل، على أساس ما يراه الخبراء من أن كل نقطة في النمو تمكن من خلق 10 إلى15 فرصة عمل.
وسيمكن تحقيق هذه النسبة إذا أمكنت من إدخال هبة هواء على المالية العمومية عبر التمكين من تحقيق فوائض للمالية العمومية تسعى بها الدولة لإنجاز التوازن للمالية العمومية، وجعل النظام الضريبي في مستوى مناسب كما حققه محمد الغوشي في 1988/1989،بمناسبة الإصلاح ا الجبائي التاريخي الذي أنجزه آنذاك، وكلن أثره إيجابيا حيث وبمرور الوقت ، لا بد من إردافه بعد نصف قرن بإصلاح آخر،، في مستوى ذلك الحين، وإن اختلف عنه في العمق شكلا ومضمونا.
ويكون ذلك الإصلاح ضامنا لا امرين اثنين:
- توفير الدخل اللازم لمالية الدولة حتى تؤدي التزاماتها
- العدالة المصفة في مواجهة الاداءات بين الفئات والجهات، قي إطار التخفيف الأقصى من الضغط الجبائي المرتفع بطبيعته ، بتوسيع قاعدة دافعي الضرائب ، بحيث تسود العدالة الجبائية وبنتفي التهرب الجبائي ، ويتم القضاء التدريجي على القطاع غير المنظم.
وتوفير قاعدة مالية تعتمدها الدولة ، بمختلف مواردها، وبتطهير دواليبها، وتشذيب ما ينبغي تشذيبه، مما يثقل كاهل نفقات الدويلة بمؤسسات لا توفر قيمة مضافة ولا تدفع أداءات أو تكاليف اجتماعية بل تعيش هالة على المجتمع وعلى حساب المجموعة الوطنية.
من شأن كل ذلك أن يوجد قاعدة صلبة من الرخاء في حسابات الدولة تمكن من مجابهة نفقاتها بكل أريحية ، وتوفير قسط مريح لاستثمار تبدو البلاد في حاجة كبيرة له بعد أن تعطل على مدى 16 سنة أي منذ إطلالة الثورة ولنقل ما ينبغي أن يقال بلا تغطية لحقيقة الامو ولا لف أو دوران.
** إيلاء حركة الاستثمار ما تستحقه من أهمية واهتمام .
فالدولة العادلة ومصالحها الناجعة والمنصفة في الأصل والتنفيذ لا بد أن تنال حقها العادل والمنصف تجمع ضرائب منصفة وعادلة وغير مجحفة لتتمكن من أداء أدوارها سواء السيادية كأدوات الحكم والاقتصادية الاجتماعية عبر توفير بيئة تحتية مشجعة وموفرة لمقومات التطور ، دون أن تكون بالضرورة مقاولا أو تاجرا أو صناعيا أو مسدي خدمات أو فلاحا إلا في أحوال تفرضها الضرورة .
وتقدم مصالح الدولة ، التي عليها أن تبلغ قدرا عاليا من الجدوى، في ظل تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي هجمت علينا بكل خير ونجاعة، فلا أجدر من قطاع خاص تطلق قدراته الواسعة للتصور والإنجاز، ويكف تكبيله بالنصوص والقوانين والمناشير والسلوكات التي أكل عبيها الدهر وشرب، فيبهرنا كما حصل في المغرب ومصر وهما يماثلوننا من حيث قلة الموارد الطبيعية، ويسجلان اليوم نسب نمو نسبيا عالية رغم العوائق التي لا تواجه تونس مثيلا لها.
إن ما ينقصنا في تونس بحق هو إطلاق المبادرة الخاصة حتى لا نقول الفردية من عقالها، وتشجيع رجال الاعمال لا فقط على النجاح ، ولكن أيضا على الثراء ، والمحاسبة الشديدة لهم على احترام القوانين ودفع نصيبهم العادل والمنصف ونشدد على كلمة المنصف، من الضرائب المحمولة عليهم والواجبات المجتمعية التلقائية المحمولة على الأثرياء تطوعا تحت كل سماء.
بدون استثمار عمومي عالي القيمة لتوفير البيئة الملائمة، وبدون استثمار خاص يقبل المغامرة ولكن يجد النتيجة الإيجابية في آخر مسعاه وفي أمن وأمان على ماله وعلى سلامته البدنية لكل فرد، لا أمل في إقبال على استثمار داخلي ـ وإذا بقي الاستثمار الداخلي محدودا، فلن يتشجع الاستثمار الخارجي على القدوم وبأحجام كبرة، وتلك شروط التنمية المستدامة ، وشروط تسجيل نسب نمو عالية بعد كل هذه السنوات الطويلة من نسب نمو قاصرة وضعيفة، فلا بد من توفير المناخ المناسب سياسيا إعلاميا قضائيا واقتصاديا واجتماعيا لنجاح مؤكد، يفترض توفير الكفاية من فرص العمل المجزية ، حتى لا يزداد هروب الكفاءات العليا والمتوسطة من بلادنا ،هذه الكفاءات التي يصنع وجودها التنمية والنمو والمغادرة كلما توفرت لها الفرصة، وبلادنا لن يبنيها سوى الخريجين من المهندسين والأطباء والكوادر الوسطى.
بلادنا تونس لا تنقصها الأوراق الرابحة، وهي كثيرة، ولكن ما ينقصها وبكل صراحة هو جو من الثقة فيها وطنيا وخارجيا.
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق