Citation

رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاء بأفضل من قولنا قبلناه. الإمام الشافعي

الأحد، 15 نوفمبر 2020

الصواب : الأمل الضائعالصواب : الأمل الضائع

 

الصواب

الأمل الضائع

بقلم  عبد اللطيف الفراتي

تونس/ 12/11/2020ع

عندما كان المناضلون يناضلون ضد الاستبداد ومن أجل حرية التعبير وفرض الديمقراطية بكل مقوماتها، كان اقتصاديون من الجهابذة، يتوقعون نسبة نمو بزيادة 2 في المائة  في حالة قيام نظام ديمقراطي مقارنة بنسبة نمو محققة تراوح  5 في المائة ، وعن  تلك التي كانت مسجلة معدلا غي سنوات التسعين والألفين ، قامت الثورة بكل الآمال التي علقت عليها ، بما قدمته من ضحايا قتلوا أو جرحوا  وسجنوا وتم نفيهم ،على مذبح الحرية ومن أجل الكرامة والشغل  للجميع ، وعلى أمل كف سرقة الأموال العامة .

كان ذلك هو الأمل ، فما هو الحال ونحن على أبواب اندلاع الثورة في 17 ديسمبر 2010 أي بعد أسابيع قليلة.

هل تحقق الأمل ؟ وهل تحسنت أوضاع الناس ؟ وهل كانت الحكومات المتعاقبة في مستوى محط الثقة بعد ثورة وعدت بالكثير؟

الجواب بالوضوح الكامل وبدون تردد لا ، فالثورة تمت سرقتها ، والحكام لم يأتوا من رحم الثورة بل ركبوا ظهرها ، وساموها سوء العذاب ، ومن المؤلم اليوم وبعد عشر سنوات أن يتمنى الكثيرون للأسف  عودة النظام السابق ، تجليات ذلك في أن تكون عبير موسي وجزبها في طليعة استطلاعات الرأي ومن بعيد في احتمال إجراء انتخابات تشريعية ، وهي التجلي الواضح للرغبة  في العودة إلى الوراء ،  ولو للتمظهره الاستبدادي المرافق  بمظاهر سرقة أموال الشعب..

يشكو الناس بعيدا عن تدهور مؤشرات الاقتصاد الكلي البارزة للعيان في زيادة مديونية الدولة بـ 150 في المائة في عشر سنوات ، وانخرام توازنات المالية العمومية   ، وتدهور حال الميزان التجاري ، وانهيار العملة الوطنية  وتراجع نسب الادخار الوطني ونسب المخصص للاستثمار، في إشكالات ما ينتاب الحياة اليومية للمواطن من ضيق غير مسبوق للعيش ، عبر تقلص الطاقة الشرائية، وتوسع دائرة الفقر ، وهبوط خاد في قدرات الناس على مواجهة تكاليف الحياة ، وفي  أحوال قليلة حافظت الطبقة الوسطى العليا على مستويات قريبة مما كانت عليه ، وفي غالب الأحيان انحدرت تلك الطبقة إلى مستوى الطبقة الوسطى المتوسطة فيما انحدرت الطبقة  المتوسطة الدنيا إلى أعتاب الفقر، فيما ارتفعت نسبة البطالة إلى ما بين 14 و18 في المائة  من طاقة العمل حسب مختلف التقديرات.

من هنا لا يستغرب الأمر أن يرفع أحد الناس عقيرته ، في سوق عمومية داعيا إلى عودة النظام القديم ، فيصدق الناس حوله على أقواله ويرددون صياحه.

ما سبب أن يتحول أمل كبير إلى يأس قاتل، لعل أكثر تمظهراته من وجهة نظرنا،  ليس تلك الاعتصامات المنتشرة بل محاولة ترك البلاد والهروب منها ولو بخطر الغرق والوفاة.

نظرة سريعة على وضعنا خلال عشر سنوات من التخبط :

** قلة استقرار في الحكم بكل ما يعني من غياب استطاعة تحديد سياسة أو ضبط ملامح سياسة .(7 أو 8 حكومات عدا التعديلات الوزارية)

** رفض اتباع سياسة يفرضها الواقع من إصلاحات عميقة ، وكان الوزير حسين الديماسي استقال بعد 6 أشهر من تعيينه في 2012 بسبب رفض حكومة الجبالي خوض غمار إصلاحات متأكدة  وموجعة ، كان يمكن تمريرها في ذلك الوقت والحماس للثورة على أشده ، هذا الاحجام عن الاصلاح أدى بالبلاد لدخول متاهات مجهولة المصير، تجني البلاد علقمها حاليا.

** بدل الإصلاح انصرفت البلاد لمعارك حول الهوية، والرغبة الجامحة بالدخول في مغامرة تغيير النمط المجتمعي، الذي استقر عليه الناس منذ180 سنة وتأكدت توجهاته منذ 1956.

** انصراف المنظمة الأولى والمؤثرة أي اتحاد الشغل بعيدا عن كل روح مسؤولية إلى مطلبية مشطة، أفقدت البلاد وخاصة التوازنات المالية للدولة كل توازناتها، بحيث بلغ مقدار الأجور 20 في المائة من الناتج فيما المقياس العالمي المتفق عليه هو 10 إلى 11 في المائة على أقصى تقدير ما يشبه الوضع الذي انتهت إليه فرنسا تحت حكم الجمهورية الرابعة، وديكتاتورية الـ س ج ت، وهو نزيف أوقفه الجنرال ديغول عندما وصل للحكم في 1958هو ووزيره للمالية بيناي.

** عدم قدرة الحكومات المتعاقبة بعد فوات فرصة 2012 على إثر الثورة، سواء على إيقاف نزيف الأجور بدون مقابل إنتاج، وإنشاء وظائف وهمية، والاستجابة غير المحسوبة النتائج لزيادات في الأجور أثقلت كاهل ميزانيات الدولة، وأوصلتها إلى العجز الفادح، وأوصلت مؤسسات القطاع العام والقطاع الخاص إلى حالة من عدم القدرة على المنافسة بلغ الأوج دفع ثمنه المستهلك التونسي بأسعار غالية وجودة متدنية.

**عدم الاقدام على تطهير القطاع العام الذي بدل أن يكون ممولا لميزانية الدولة، بأرباح من المفروض أن يسجلها، ويحولها لميزانية الدولة، بات عبئا على ميزانية الدولة لتغطية خسائره المتراكمة، وسداد ديونه المتصاعدة. كل هذا فضلا عن ديكتاتورية الخط الأحمر للتصرف في القطاع العام غير التنافسي الذي من المفروض أن يوفر فائضا تصرفيا ويدفع أداءات محمولة عليه وانخراطات في صناديق التأمينات الاجتماعية ، وهو مقصر في ذلك وللحديث بقية .

fouratiab@gmail.com

 

 

 

 

 

 

 

الخميس، 14 مايو 2020

سانحة : ....وذهب عملاق آخر إلى الخلود

سانحة

يكتبها عبد اللطيف الفراتي
واحد بعد آخر ..
الشاذلي القليبي يغيبه الموت
فيترك فراغا كبيرا في الساحتين الثقافية والسياسية
تونس / الصواب / 13/05/2020
مما يزيد من لوعة الحسرة  والفراق ، أن يـــموت رجل مثل الشاذلي القليبي ، ولا نستطيع مرافقته إلى مثواه الأخير، في هذا الزمن السيء بكل المقاييس ، مثلما حصل لي قبل أربعين يوما ، عند وفاة صهري زوج ابنتي الكبرى ، على صغر سنه نسبيا، فلا نستطيع مرافقته إلى مثواه الأخير,,
نفس الإحساس ونفس الظروف ، أن يموت قريب على صغر سنه  هو هشام المراكشي ، ونفتقده فلا نلتقيه  حتى ميتا بطعم حاد للمرارة ، مصيبة كبرى ، وأن يموت عملاق مثل الشاذلي القليبي ، مصيبة بطعم آخر في مرارته في الحلق ولا نتمكن من تشييعه .
كان الشاذلي القليبي يملأ الساحة ، بعلمه وهدوئه ، ودماثة أخلاقه ، وكفاءته وتفانيه في خدمة الصالح العام ، بدون ضجيج ولا ادعاء.
منذ أن جاء من فرنسا حاملا للتبريز في اللغة العربية وآدابها، وهو في عمل دؤوب لفائدة بلاده،  ولفائدة الأمة العربية جمعاء ، والانسانية كلها.
أقتربت منه كثيرا ، وإذ ليس غريبا أن أحمل له تقديرا بلا حدود ، فلن أكون مدعيا إذ أقول إنه كان يحمل هو نفس الشعور تجاهي ، لم يكن يفصح عن ذلك ، ولكني كنت أستشف ذلك منه شخصيا ، ومما كان ينقله لي أقرب المقربين إليه وخاصة أحمد الهرقام ومحمد المغربي .
وحتى نعرف معدن الرجل بلا رتوش سأتوقف ، عند أربع  محطات تبين عمق فكر ، وأخلاق الرجل:
أولها في السبعينيات من القرن الماضي ، وكنت صحفيا شابا، ولكني كنت لسبب ما أحوز على رضا عدد من المسؤولين وكبار القوم ، وفي نفس الوقت على استهجان بعضهم وفي كثير من الأحيان رضا واستهجان نفس المسؤولين ، في أحد الأيام ولم أكن أحمل أية مسؤولية ، لا في صحيفة الصباح ، ولا في المجتمع المدني وخاصة جمعية الصحفيين التي توليت فيها مسؤوليات عديدة ، قبل أن أصبح رئيسا لها، دعتني كاتبة السيد الشاذلي القليبي إلى مكتبه ،وكان بيننا في جريدة  الصباح والوزارة مائة متر ، بين نهج علي باش حانبة ، ونهج الجزائر ، دخلت مباشرة إلى مكتبه ، حيث وجدته مضطربا ، فكان قد صدر أمر باحتجاز جريدة تونس هبدو، استدعاني ولم أكن أحمل صفة رسمية ليقول لي : لست مسؤولا عن إيقاف الجردة ، وأنت أول من تعرف أنني ضد النيل من حرية التعبير ، وسأسعى جاهدا للرجوع في هذا القرار ، فهمت الرسالة ، وبلغتها على أنها معلومة من عندي ، وخف جو احتقان ساد يومها ، وكان له الفضل في رفع القرار.
وثانيها  وهو حديث عهد بالأمانة العامة لجامعة الدول العربية في أواخر السبعينات  ، عندما دعاني إلى مكتبه ، كان أمامه مقال للدكتور كلوفيس مقصود ، وهو كاتب وسياسي لبناني مرموق ، كان كتب مقالا رائعا في صحيفة النهار العربي والدولي ، التي كنت مراسلا لها في تونس ، طلب مني الشاذلي القليبي أن أسعى بصفة غير رسمية ، للاتصال برئيس التحرير أيامها عبد الكريم أبو النصر ، وأنظم معه استقدام الدكتور مقصود إلى تونس،  من مقره في بيروت ،  لمقابلة في إطار التكتم مع أمين عام الجامعة العربية ، وفعلا تم ترتيب الأمور ، ووصل الدكتور كلوفيس مقصود إلى تونس في طي الكتمان ، وانتظرته بسيارتي أمي 8 الزرقاء  الصغير ، في المطار ، ورافقته إلى مقر الجامعة العربية في شارع خيرالدين باشا، أوصلته إلى الطابق السادس وانسحبت إلى مكتب أحد الأصدقاء الكثيرين بمقر الجامعة ، دون أن أنسى تنبيه السكريتيرية الخاصة بالأمين العام إلى حيث أنا متواجد ، دامت المقابلة ساعة ونيف ، ثم تمت دعوتي لاصطحاب الدكتور كلوفيس مقصود إلى فندق أفريكا،  حيث كنت حجزت له " سويت"، صاحبت الدكتور للفندق ، ولم يحدثني بشيء ، قدرت تحفظه ، أوصلته حتى الاستقبال واطمأننت إلى أنه تسلم مفاتيح غرفته، عشية نفس اليوم صدر عن مكتب الأمين العام  ، قرار بتعيين الدكتور كلوفيس مقصود سفيرا مندوبا للجامعة العربية في الامم المتحدة ، وكان أفضل سفير للعرب في المنتظم الأممي على مدى 10 سنوات ، بصوته الصادح وتحاليله المقنعة وقدراته الخارقة على التواصل، ولن أطيال في الحديث عن فراسة الشاذلي القليبي في اختيار المساعدين المقتدرين ، في الإدارة التونسية ، ولكن سأتوقف عند من كان له فضل اختيارهم ، وهو أمين عام للحامعة الغربية ، ومنهم حمادي الصيد كسفير للجامعة في باريس ، حيث أمكن له بعلاقاته الواسعة وفصاحته وسيطرته على أعقد الملفات ، أن يعطي للقضية العربية بعدا لم تكن له سابقة ، وثالثة الأثافي  عندما عين أحمد الهرقام سفيرا للجامعة العربية لدي ديوان الأمم المتحدة في جنيف ، حيث يتم التحضير لأهم القرارات التي تهم الصراع العربي الاسرائيلي، رافق ذلك إدارة إعلامية نشيطة في المقر بتونس بمحمد المغربي وعبدالله عمامي واللبناني وليد شميط ، وقد تفطن الشاذلي القليبي وهو رجل الثقافة والإعلام ، إلى الدور البارز لكليهما في تشكيل رأي عام مساند للقضايا العربية.
وثالث موقف شهادة هو أني وكنت في 1979 حديث عهد بالمسؤولية في جمعية الصحفيين ، عندما دعاني يوما ، وسألني عن مقر الجمعية ، وكان يراها " بالعين الكبيرة " كما يقول مثلنا الوطني ، وهو الذي تم استدعاؤه لمقرات نقابات وجمعيات الصحفيين،  للمحاضرة في نيويورك وباريس والقاهرة ، ورجاني أن أتدبر مقرا لائقا للجمعية ، على أن تتولى وزارة الثقافة والاعلام تمويل تكاليف الكراء والتأثيث ، وقبل يوم من مغادرته للوزارة ، ليتولى الأمانة العامة للجامعة العربية ، سلمني شخصيا وباسم الجمعية ، صكا بمبلغ الكراء والتأثيث ، بعد أن كنت قد قدمت فاتورة ، في تلك التكاليف ، وكانت تلك أول مرة تنتصب فيها الجمعية في مقر لائق في نهج النمسا في قلب العاصمة.
ولن أطيل أكثر ولكني سأذكر أن الشاذلي القليبي ، كان هو محرروكاتب الخطب الرسمية للرئيس بورقيبة ، وكان تأثيره كبيرا فيها ، ولعل أبرزها ذلك الخطاب ، الذي أعلن فيه بورقيبة ،عن أنه لا " يرى مانعا في قيام أحزاب غير الحزب الحاكم ، وهو نص تاريخي باعتبار ظروف ذلك الزمن في 1980/1981 ، تم تصوره في الصيغة المقبولة من الرئيس بورقيبة ، بالتعاون بين الشاذلي القليبي ومحمد مزالي الوزير الأول آنذاك.
وخلاصة القول ، أن الشاذلي القليبي لم يكن أقل من مؤسسة قائمة الذات بشخصه وهدوئه وسلامة سريرته ووطنيته ونجاعته.



السبت، 9 مايو 2020

قرأت لكم : ما كنبه المفكر عبد المجيد الشرفي بشأن الكورونا وما بعد الكورونا

قرأت لكم

مقال قيـــــم وطلائــــــعي بقلم   الدكتور
عبد المجيد الشرفي  رئيس بيت الحكمة
**عبد المجيد الشرفي ... هل ستنهي
 أزمة الكورونا ،، بثورة رقمية عامة ،،،
 وقيم أكثر إنسانية وأكثر عدالة وإنصاف ؟
في هذه الفترة التي اضطررنا فيها للإلتزام ببيوتنا ، كان على المرء أن يجد لنفسه مشاغل  غير التي تعود عليها ، وإذ كنت أحد الذين يعتبرون المطالعة هواية محببة ، فقد أخذت أصطدم أكثر فأكثر بالعجز عن القراءة المركزة كما كنت ، كما إن التلفزيون والأفلام لم تعد تستهويني كثيرا.
وإذ عدت للمطالعة بكثافة أكبر ، مما كنت عليه طيلة السنوات المنقضية ، فقد اصطدمت بأمرين اثنين :
1/ أولهما تعب في النظر عند الإطالة في التفرس في كتابات في غالبها بأحرف صغيرة ، لا تناسب من هم في مثل سني :
2/ قدرة أقل على التركيز أعترف بها ، نتيجة التقدم في السن ، والعجز أحيانا عن ربط الأأشياء ببعضها ، وتشتت ذهني يعيقني عن أن أطيل التفكير ، غير أن هذا لم يمنعني للرجوع إلى نوعين من الكتب ، سبق لي أن قرأتها ، ووجدت متعة واستفادة جديدة من قراءتها  مجددا ، فقد التهمت بما يمكنني أن ، أتولاه من قراءة رغم العوائق التي سبق أن ذكرتها ، ورغم وفرة الكتب التي اقتنيتها في الأشهر الأخيرة ، وهي بجانب فراشي ، مما أقرأ قبل النوم ، فقد عدت إلى مكتبتي وكتبي المرصوفة فيها ، بالمئات حتى لا أقول بالآلاف ، أستنشق منها ما يثير مع حب العودة لما اعتقدت أني هضمته ، حالة الحساسية التنفسية المؤلمة ، التي أعالجها بحبوب الدسلور المنومة ، وبها بدأت بكتاب جان جاك روسو " في العقد الاجتماعي " الذي يسودني اقتناع طاغ ، بأن من لم يقرأه ويعيد قراءته ، لا يدرك شيئا من عالم السياسة ، وأردفته بكتاب " الأمير" لميكيافللي ، كما يحلو للإيطاليين تسميته ، وبين هذا وذاك أتناول ثلاثية نجيب محفوظ الخالدة للترفيه عن النفس ، أو  كتب " عرفي " أمين معلوف ، الذي اشتغلت معه ، عندما كان رئيس تحرير النهار العربي والدولي في باريس، أو العملاق التونسي عبد القادر بلحاج نصر القادر على النفاذ لإعماق أعماق النفسية التونسية في رواياته المتعددة وتمكنه الحقيقي من تكنيك الكتابة الروائية بسرديتها وحقن الحوار فيها بكل حذق، قبل أن أتفرغ لما يلزم من وقت لكتابين  لعبد المجيد الشرفي ذاته  تحديث الفكر الاسلامي  ومرجعيات الاسلام السياسي وقد قرأتهما مجدد على الاشاشة الصغيرة براحة أكبر،  لأعود لـ la république للمعلم أفلاطون ، وأردف بمسرحية "السيد"  للأديب الخالد كورناي ، عائدا إلى ثلاثية صديقي وزميلي في الستينيات في البتي ماتان شارل لانكار، ثم آخرا وليس أخيرا   كتاب أدوارد ويلسن الذي اقتنيته من الفناك في مونبارناس بباريس l’avenir de la vie  أوième cri d’alarme pour le xxi    siècle de Daisaki Ikeda et Aurelio Peccei وكلاهما كتابان ممتعان لكتاب أمريكيين في الاستشراف،  يعودان  بتأليفيهما  إلى مطلع هذا القرن،  ولكن كل منهما يتنبأ بما نعيشه اليوم.  وغيرها كثير من الكتب التي سمح لي الاغلاق بالعودة إليها والشرب من معينها.
وإذ تختص كتب عبد المجيد الشرفي بالتركيز الشديد ، والكثافة فإن المقال الذي كتبه في صحيفة الشعب والذي اسأذناه قبل إعادة نشره  ، ينبئ عن تلك القدرة على التركيز والتكثيف ، فقد حمله نظرة استشرافية عميقة، واقعية ، مدركة للمأمول والذي بدا له من وجهة نظري غيرممكن حاليا  بما تمر به الانسانية من تحد طارئ ولكن عميق الابعاد.







الاثنين، 4 مايو 2020

سانحة : أمريكا المهددة

سانحة

يكتبها عبد اللطيف الفراتي
للمرة الثانية في 20 عامـــــا
أمريكا دولة  ليست في مأمن
تونس / الصواب / 04/05/2020
اعتبر الأمريكان منذ وقت طويل ، أنهم داخل بلادهم  ، المنيعة ، بعيدا عن أي عدو مهما كان نوعه ، سواء من الجيران المباشرين ، في الأمريكيتين الشمالية والجنوبية، على اعتبار أن لا أحد له قدرة على اختراق الدفاعات الكبيرة التي تزداد فاعليتها يوما بعد يوم ، أو على مدى الأسلحة المدمرة التي يمكن أن تصل بلادهم،عبر الصواريخ التي جرى تطويرها بأمل الوصول بعبوات مدمرة إلى الداخل الأمريكي، والتي يبدو اليوم أنها غير قادرة لا بحريا ولا جويا فضلا عن أرضيا ،على الوصول إلى الداخل الأمريكي.
وقد انكسر الاتحاد السوفياتي ، وانفرط عقده ، على صخرة التسابق في حرب النجوم في آخر الثمانينبيت ، بسبب ارتفاع كلفة لم تقدر عليها موسكو، فانحدر اقتصادها وتدهور فضلا عن هزائمها  العسكرية في أفغانستان ، في حرب مدمرة مولتها في من مول المملكة العربية السعودية ، في التسعينيات إذن اطمأنت أمريكا أكثر من أي وقت مضى ، إلى أنها قلعة منيعة لا قدرة لأحد عليها، كما اطمأن الفرد الأمريكي أنه يعيش في مأمن كامل ، لا يساوره فيه شك ، وحتى تهديدات صدام حسين بالقدرة على استهداف نيويورك ، فضلا عن أوروبا الغربية ، بفضل صواريخ عابرة للقارات ، كانت المخابرات الأمريكية على دراية كاملة بأنها لا أكثر من عملية اتصالية ، ليس وراءها شيء ، وعمد صدام حسين فقط إلى توجيه صواريخ حاملة لعبوات تقليدية ، نحو إسرئيل وقطر والسعودية والامارات ، وبقدر طول المسافة والاضطرار إلى خفض وزن العبوات لزيادة حجم الطاقة الدافعة ، مما كان له  أثر بسيكولوجي ، وهلع أكثر من أي أثر تدميري .
ولأول مرة شعر فيها الأمريكان بأنهم بالمناعة التي يعتقدون ، كانت في 11 سبتمبر 2011 ، يوم فجرت طائرات خطوط أمريكية ، برجي التجارة العالمية ، فخر " القوة الأمريكية التي لاتقهر" ، بواسطة مجموعات عربية ، قوامها سعوديون ، تشكك الفرد الأمريكي في ما يعتقده من قوة أمنه الداخلي ، وأنه لا يمكن أن يستهدف داخل حدود بلاده ، ما زاد من الانعزالية الأمريكية التاريخية ، وزاد أيضا من الاحساس الأمريكي العام ، من أن الولايات المتحدة ، يمكن أن تضرب في أي مكان ، دون أن تكون عرضة داخل بلادها لأي خطر، وزادت الدعاية الرسمية الأمريكية من ذلك الاعتقاد الراسخ ، بأن لأمريكا حق لعب دور الجندرمي الدولي ، دون استطاعة أحد أن ينال منها ، وقامت الدعاية الاتصالية الأمريكية ، على عنصرين اثنين وقتها :
أولهما أن استهداف البرجين للتجارة العالمية ، ومحاولة استهداف البيت الأبيض ووزارة الدفاع البنتاغون ، هي أعمال انطلقت من الداخل الأمريكي ، نتيجة أخطاء استخباراتية  فيدرالية ، وليس نتيجة عمل انطلق من الخارج.
وثانيهما أن أمريكا المستهدفة من داخلها قادرة على رفع التحدي ، وحمل المعركة إلى الخارج ، مهما بدا بعيدا جغرافيا ، وضرب أصل رأس الأفعى في جحره ، ومن هنا جاءت حرب أفغانستان ، التي لم تقض على القاعدة ، التي تأسست بمبادرة أمريكية سعودية ، ضد الاتحاد السوفياتي المنهار، ولم يتخيل الساسة الأمريكان أنهم سيفشلون في هذه الحرب كما فشلوا في حرب الفيتنام ، وأن آخر حرب انتصروا فيها ، هي الحرب العالمية الثانية ، لأسباب  تعود لعوامل موضوعية ، لم تتوفر في حرب أخرى خارجية دخلتها ، رغم قوتها العسكرية الخارقة، ومع استثناء حرب الشرق الأوسط لعامي 1991 و2003 ، التي لن تحقق فيها أمريكا نجاحا ، سوى تنحية صدام حسين ، وإدخال بلد مثل العراق ، في دوامة لم تخرج منها الولايات المتحدة فائزة ، وفي حساب الربح والخسارة ، لم يفز فيها  بشيء من الظفر سوى نظام الملالي  في طهران ، الذي سجل توسعا مشهودا  في العراق و  لبنان وسوريا واليمن ، وغير توازنات منطقة الشرق الأوسط للأسوء ، حتى بالمنظار الأمريكي .
على أن المناعة الأمريكية ، تزعزعت بحق بمناسبة ، جائحة الكورونا ، هي طبعا ليست حربا تقليدية ، ولكنها فرضت  (بضم الفاء)  على أمريكا ومن الخارج ، وبدت الولايات المتحدة ، أضعف من أن تقف منفردة ، أمام هذه الجائحة ، التي بسبب رئيسها غير الطبيعي " ترامب " ، لم تستعد لها وفاجأتها ، فتجاوز عدد المصابين بكورونا المليون وقارب عدد القتلى السبعين ألفا ، وإذ يعتبر موت أي فرد هوكثير، فإن موت 70 ألفا بالقياس إلى الحجم السكاني الأمريكي273 مليون ساكن يبدو متواضعا ففرنسا وبريطانيا وإسبانيا وإيطاليا التي تجمع عددا مماثلا تقريبا لعدد سكان الولايات المتحدة  أو أقل بقليل 245 مليون ، فقدت قرابة 110 آلاف جراء الجائحة، غير أن المقارنات الأمريكية تستند عادة للشأن الداخلي ، ويذكر الأمريكان هنا أن خسائر الحرب التي خسرتها واشنطن في15 سنة من حرب الفيتنام ، لم تبلغ سوى 60 ألفا من الشباب الأمريكان ، وأثارت ضجة كبيرة ضد إرسال "البويز " الشبان للحرب ، ومن هنا أصبح الجيش الأمريكي جيشا محترفا ، لا مكان فيه للشباب الذي يذهب للحرب رغم انفه، ولا وجه للمقارنة هنا مع الخسائر الأمريكية في الحرب العالمية الثانية ، ففي ثلاث سنوات خسرت الولايات المتحدة192 ألفا.
من هنا فإن هذه الحرب غير المعلنة ، قد تكون أكثر أثرا من حرب الفيتنام ، ولما كان الأمريكان يبحثون دائما عن عدو يمسحون فيه فشلهم ، فقد وجدوه هذه المرة في الصين ، التي انطلق منها الفيروس.
ويبقى السؤال مطروحا هل الولايات المتحدة ما زالت منيعة رغم كل شيء؟؟؟


الخميس، 30 أبريل 2020

من الداكرة : ثاني ثورة في تونس خلال 60 سنة

من الذاكرة

يكتبها عبد اللطيف الفراتي
ثورة 10/11 ووضع البلاد
تحت طائلة حظر الجولان
تونس / الصواب / 27/04/2020
ثورة 17 ديسمبر 2010-  14/جانفي 2011، تعتبر ثورة متفردة من عدة نواح :
أولها أنها ثورة بلا قيادة ولا فكر سابق ، ومن هنا ينزع عنها البعض صفة الثورية مقارنة بالثورة الفرنسية ،أو الثورة البلشفية في روسيا ، أو حتى الثورة الخمينية في إيران، غير أن رئيس الجمهورية الحالي  قيس سعيد يعتبرها ثورة تخرج عن المألوف atypique   باعتبارها أول ثورة قامت في  ظل ثورة رقمية وإعلامية، نفخت في تحرك شعبي،  اتسع بفضل الفايسبوك وبعض القنوات العابرة للقارات ، كان ذلك في خلال نقاش جمعنا معه بحضور عميدة كلية العلوم القانونية الدكتورة .نائلة بن شعبان ، و الأستاذ الصديق الأزهر القروي الشابي العميد الأسبق للمحامين وأنا شخصيا ، في رحاب مكتب الأساتذة في الكلية .
ثانيها أنها ثورة ندلعت دون أن تنقل السلطة،  لا بصورة عنيفة ولا حتى هادئة ، فغاب رئيس الجمهورية  بن علي ، وبقي الإطار الرسمي الإداري في مكانه ، وإن صاحب كل ذلك،  تمظهران أو ثلاثة تمثلا في تحركين اثنين،  في القصبة قيما فشل الثالث ، وفي تحرك أجهض في محيط قبة المنزه ، حاولت أن تقيمه مجموعات من المثقفين ورجال الأعمال، وانتهت القصبة 1 و2 بانسحاب حكومة محمد الغنوشي ، وقدوم حكومة الباجي قائد السبسي ، وهو من الحرس القديم المخضرم بين عهدي بورقيبة وبن علي ، والوعد بإجراء انتخابات تأسيسية ، وقيام ما يمكن أن يسمى  بالجمعية العمومية وهي ترجمة سيئة من وجهة نظري لعبارة les états généraux   ضمت لجنة ، كان شكلها الوزير الأول محمد الغنوشي برئاسة عياض بن عاشور رجل القانون البارز ،استجابة لدعوة الرابطة التونسية لحقوق الانسان قبل سقوط بن علي وهربه ، وضمت عدة عشرات من المثقفين والمعارضين .
وثالتها أنها ثورة ، أطلقت في العالم العربي ثورات مماثلة دون فكر أو قيادة أو تأطير،  في مصر وسوريا وليبيا واليمن ، عدا ثورات مماثلة أجهضت من البداية في المغرب والجزائر والعراق.
**
لعل الثورة الوحيدة التي نجحت نسبيا  من بين كل هذه الثورات العربية ، وأقامت مؤسسات جديدة ، يمكن الاختلاف في تقييمها ، ولكنها تشتغل ، هي الثورة التونسية،  وإن كانت لم تحقق الهدف الأصلي لكل ثورة ،  أي رفع المستوى المعيشي للشعب ، كما حدث في ثورات أوروبا الشرقية ، بل شهدت تدهورا في المستوى المعيشي للشعب .
ففي مصر التي قال رئيسها آنذاك حسني مبارك ، أن مصر ليست تونس ، ولن تشهد ما شهدته تونس، ولكن جرفه المد الشعبي بعد أسابيع قليلة، وأن كانت تلك الثورة انتكست ، فقد تم انتخاب رئيس للدولة من الإخوان المسلمين ، لم يعرف كيف يسير بلاده ، فخرج ضده تمرد شعبي استقطب عشرات الملايين ، ولكن جاء العسكر فقطعوا الطريق على الثورة والتمرد ، علما وأن التمرد يعتبر مشروعا في القانون الدولي ، وفقا لما جاء في دستور الثورة الفرنسية ، والعهد الدولي لحقوق الانسان ،  وفي ليبيا التي كان معمر القذافي  الذي ادعى بأنه أقام ثورة ستصمد أمام محاولات الزعزعة الطفولية ، قتل بعد ذلك بأشهر عديدة، لتسقط بلاده في فوضى عارمة ، بعد أن استولت ميليشيات إخوانية على السلطة في طرابلس ، فهرب البرلمان المنتخب إ شرعيا إلى طبرق ، قبل أن يستولي على المقاليد المشير حفتر،  ويشن بفضل تأييد مصري إماراتي على جانب كبير من التراب الليبي ، و قبل أن تتدخل تركيا بمجموعات من المرتزقة السووريين  للانقلاب على ما حققه المشير ، بمعاضدة الأسطول التركي الغازي  لحكومة السراج وميليشياتها ، أما الثورة السورية المبدئية والطفولية ، والتي واجهها نظام الأسد بحمام دم ، فقد انتهت بتدخل قطري تركي ، استعمل في العراق وسوريا ظاهرة جديدة متطرفة هي داعش ، وقد عاضدت روسيا نظام الأسد ، بينما تواصل التدخل التركي بتمويل قطري ما أحال سوريا إلى بلد مدمر ، وفي اليمن انتهت الثورة إلى تقسيم البلاد ، بين شيعة وراءهم طهران وسنة الذين عاضدتهم السعودية والامارات بحرب تبدو بلا نهاية.
**
تونس إذن هي الوحيدة التي استمرت  ثورتها ، بفضل أمرين اثنين : أولهما ذكاء التنظيم الاسلامي ، فيها باعتماد سياسة سياسية مرحلية ، تعتمد التمكين التدريجي، بدل السيطرة الكاملة على السلطة كما فعل الإخوان في مصر ، فقام تمرد شعبي ضد حكمهم قوامه عدة ملايين ، والبعض يقول عشرات الملايين ، سريعا ما سرقه العسكر، وثانيهما مقاومة مجتمع مدني متمكن انتهى إلى تعبئة عامة في صيف 2013 ، عرف راشد الغنوشي كيف يتعامل معها بدهاء، ولو بالتنازل المرحلي.
قبل نجاح الثورة متمثلا بهروب بن علي ، بقطع النظر عما إذا كانت سيدي بوزيد هي التي أنجحت الثور ، أو القصرين وخاصة تالة ، أو مظاهرة صفاقس الي يقال أنها زعزعت أركان الحكم التونسي ، أو مظاهرة 14 جانفي في العاصمة التي انفضت قبل حلول موعد منع الجولان ، أو عوامل خارجية أمريكية بالذات ، وجدت لها روافد تونسية في أعلى درجات الحكم ، المهم أن الثورة نجحت سواء بدعم الجزيرة أو قطر، وبدعم الفايس بوك أو بدون ذلك.
**
مساء 14 جانفي كان حظر الجولان محترما ، ولولا ذلك الرجل الذي خرج في شارع الحبيب بورقيبة صائحا "بن علي هرب " ، والذي يقال إنه كان مكلفا بمهمة ولم يمنعه أحد في زمن منع الجولان .
يوم 14 وعلى عكس المتوقع لزمت البيت تحت وطأة أزمة حساسية حادة ، وكنت أصاب بالعطس مئات المرات في الساعة الواحدة ، وكنت أتابع عبر التلفزيون ، فعاليات المظاهرة ، عندما نبهتني زوجتي ، إلى أن ابننا التقطته صور التلفزيون مع المتظاهرين.
مر يوم السبت والأحد بين  جدل قانوني ، من يخلف الرئيس زين العابدين ، وبين عشية وضحاها أصبحنا وبتنا بين ثلاثة رؤساء، زين العابدين بن علي ، ومحمد الغنوشي ، وفؤاد المبزع.
بقي الأمر على حاله ، وعدا فرض منع الجولان وإعلان حالة الطوارئ ، لم يتغير شيء ، ولم يأت كثيرا ذكر للثورة ، وأخذت الأشياء طريقها حتى جاءت القصبة 1 والقصبة 2 ، بينما فشلت القصبة 3 ، وتبين أن وراء ذلك فروع الاتحاد العام التونسي للشغل الأفقية  والعمودية ، بدفع من حزب العمال  وحمة الهمامي ، ولم تظهر حركة النهضة على السطح مطلقا ، وستكون هي المستفيد الأكبر من تلك الثورة ، وما يقال اليوم هو أن التوجه الاسلامي ، وإن لم يشارك في الثورة في تلك الايام ربما حذرا ، فإن ما عاناه  بين 1980 و2010 كان خميرة مناسبة للإستيلاء على الثورة ، ولم يكن اليسار واليسار المتطرف  والطفولي ، الذي لم تقل تضحياته عن النهضة ، ليستفيد بسبب انقساماته وتذرره.
من هنا جاء السؤال ، هل كانت ثورة ، ومن وجهة نظري مثل وجهة نظر السيد قيس سعيد  كما رأينا أعلاه ، لعلها ثورة بمكونات غير مألوفة ،  في عصر جديد بمقومات جديدة، ولذلك فإن من ينكر الثورة ، وبقطع النظر عن تقييم نتائجها ، يمكن اتهامه بقصر النظر ، على أساس أن الثورة أمر واقع لا سبيل إلى نكرانه.
**
صباح الإثنين  السابع عشر من جانفي ، في حدود الثامنة والنصف صباحا كنت في بيت الصديق السيد إسماعيل بولحية ، وكنت إذاك ، عنده لاستعراض محتويات العدد الجديد لشهر جانفي من "مجلة المغرب الموحد" التي كان هو صاحب امتيازها ومديرها  وكنت رئيس تحريرها غير المعلن تجنبا لرد فعل سلطة كانت تناصبني العداؤ ، كنت أبغي الحصول منه على توقيعه لبدء سحب المجلة ، في مطبعة قرطاج ، وصاحبها السيد التيجاني الحداد ،  زميلي في الدراسة والوزير الأسبق، وفيما كنا نطلع معا على صفحات المجلة الأستاذ إسماعيل بولحية وأنا ، رن جرس تليفوني برنته المحببة ، المأخوذة عن سنفونية موزار الأربعين ، نظرت في شاشة التليفون كانت الساعة تشير إلى الثامنة والنصف ، وكان الطالب الهادي البكوش ، قبلت المكالمة ، بادرني صباح الخير عبد اللطيف ، كانت الكلفة مرفوعة بيننا ، وإذ كنت أقول له دوما السيد الوزير الأول ، فكان هو من جهته يناديني باسمي مجردا ، قال لي سي محمد يسلم عليك، سألته : " شكون محمد ، أجابني سي محمد الغنوشي الوزير الأول ، كنت وما زلت أكن احتراما شديدا للسيد محمد الغنوشي ، منذ بداية السبعينيات ، حيث تعرفت عليه كأحد أهم المساعدين للسيد منصور معلى.
قال لي السيد الهادي البكوش وكان التليفون مرفوع الصوت : لقد عيناك رئيسا مديرا عاما للتلفزيون ، أخذت بعض الوقت لأستفيق من المفاجأة ، قبل أن أجيب بأني لا أقبل هذه الخطة ، ألح علي ولكني رفضت إطلاقا ، طلب مني مزيد التفكير على أن يعاود مخاطبتي بعد نصف ساعة ، فعلا جاءت مكالمته بعد نصف ساعة ، وأجبته في إصرار لم أغير موقفي ، لم أكن أبدا رجل مسؤولية رسمية ، ثم إنه لا عهد لي بالتلفزيون ، واصل السيد الهادي البكوش : نطلب منك إذن أن تشارك هذا المساء في برنامج عن الثورة  غي التلفزيون ، وللواقع كنت متحمسا لها ، كما سبق أن تحمست لتغيير السابع من نوفمبر قبل ذلك بثلاث وعشرين سنة ، وقبل أن أصاب بخيبة أمل مرة ، وأسقط أحد ضحاياها،  فعلا قبلت ، وشاركت كان على البلاتو بالخصوص السيد البريقي الوزير لاحقا ووزير الشباب والرياضة،  في الحكومة التي شكلها قبل يوم أو يومين السيد محمد الغنوشي.
كنت ما زلت أجر إصابتي الشديدة بالحساسية ، وحرارتي مرتفعة ، ولكن أحسست بشيء من الراحة في مناسبتين اثنتين يومها ، ففي مشاركة خارجية أولى : أشاد بوجودي على البلاتو  الدكتور خالد شوكات،  ووصفني بأستاذه الذي تعلم عنه الصحافة ، وفي مناسبة ثانية ،وبمشاركة خارجية أيضا جاء الدور على الدكتور الهاشمي الحامدي ، الذي أطال بمدحي معتبرا إياي الصحفي النزيه المحايد ، وكنا تعاملنا معا ، عندما انتدبته لتنشيط صفحة طالبية نيابة عن الاسلاميين ، فيما تولى سليم الكراي تنشيط صفحة طالبية أسبوعية عن اليسار.
غادرنا البلاتو وفي نيتي التوجه إلى الشخص المكلف بتسليم رخص حرية الجولان في مبنى التلفزيون بميتيال فيل ، ولكني وجدت في انتظاري شخصا قدم نفسه على أنه السيد "الهاني "، قال : إن المدير العام السيد  شوقي العلوي في انظارك في مكتبه ، قادني للمكتب : كان بحق مكتبا فخما ، هل كان المدير العام على علم بترشيحي مكانه ذلك الصباح ، أم لا ... لا أدري ، المهم رحب بي وجلست أتحدث معه وأنا على أحر من الجمر ، فكنت أود المغادرة لأن الليل قد أرخى سدوله منذ حين ، وأنا أعرف بالتجربة أن المرور زمن حظر التجوال مغامرة كنت أتخيلها غير مأمونة ، حتى شاهدت ما شاهدت في هذه الأيام الأخيرة التي نعيشها، أطلقني  المدير العام أو الرئيس المدير العام ، وعند الباب تلقفني السيد " الهاني " قال لي : كان يمكن أن يكون غدا هذا المكتب الفخم مكتبك ، ثم مررنا على مربض السيارات ، فأراني سيارة فخمة ، ليضيف كان يمكن أن تكون هذه السايرة تحت ذمتك لو قبلت المسؤولية ، وبدا لي أن العرض الذي لم أقبله ، سرى خبره  كسيران النار في الهشيم ، لم يحرك في ذلك ساكنا ,
المهم طلبت من مرافقي أن يدلني على حيث أستطيع أن أستخرج رخصة وقتية للعبور ، فوجدت باب المكتب مغلقا ، وقيل لي إن الموظف قد غادر اعتقادا منه أن المشاركين في البرامج قد غادروا كلهم ، ولم ينبهه أحد إلى أني بقيت لمقابلة المدير العام.
كان علي أحد أمرين : أن أبقى على كرسي حتى الصباح ، أو أن أغامر بالذهاب بدون ترخيص ، من مبنى التلفزيون إلى بيتي في أعالي النصر ، وكنت عدت إلى العطس الشديد ، وكان علي أن أتناول دوائي لتخفيف الحالة ، غامرت وغادرت دون ترخيص ، كانت الشرطة قد اختفت تماما، ولذلك لم تعترضني ولو دورية واحدة ووصلت إلى البيت وأنا أتصبب عرقا فما الذي كان يحدث لي لو أمسكوني .
ولكن ستأتي الايام بما لم يكن في الحسبان ، فقد قضيت ليلتين في مقر قناة نسمة في مجاهل رادس ،  بدعوة من إلياس الغربي ، للمشاركة في برامج تلفزيونية ،  كان يديرها بجدارة ومهنية ، وكان علينا شوقي الطبيب ومحمد التريكي وسفيان بن فرحات وهيثم المكي،  وغيرهم ممن كانوا يؤثثون حصص متلاحقة حول الثورة  أن نبيت حتى الصباح على كراسي في غرفة الاستقبال .





الجمعة، 24 أبريل 2020

من الذاكرة : ثورة الخبز وذيولها السياسية

من الذاكرة

يكتبها عبد اللطيف الفراتي
ثورة الخبز
تونس / الصواب / 20/04/20202
في  إطار الحكومة الجديدة التي شكلها محمد مزالي ، بعد مرض الوزير الأول الهادي نويرة ، الذي أصيب بالفالج ،( يبدو على خلفية الهجوم الليبي الجزائري على تونس في قفصة ، بقصد تفكيك الوطن التونسي ، وإقامة جماهيرية شعبية انطلاقا من مدينة قفصة بتواطئ بين جزائر هواري بومدين ، الذي كان عبد العزيز بوتفليقة ،  أقرب المقربين إليه  ، ومعمر القذافي ، باعتماد عدد من التونسيين  الموتورين ، وهو حلم لم يتحقق بفضل وقوف التونسيين ضد هذا المشروع الذي لم تتحدد ملامحه بوضوح آنذاك ، وتضامن  عربي دولي ، فرنسي أمريكي مغربي مصري ، رغم أن العلاقات كانت مقطوعة مع مصر السادات أيامها ) ، في ذلك الاطار جاءت حكومة محمد مزالي ، بخلفية تحرير الحياة السياسية ، معاضدة " لتحرير" الحياة الاقتصادية ،  التي كان يقال إن الهادي نويرة نفذها منذ جاء للحكم في بداية السبعينيات.
ومن هنا تشكلت حكومة مزالي بأسماء كبيرة ، وخاصة ممن وضعهم على الرف الوزير الأول نويرة ، تولى منصور معلى وزارة التخطيط والمالية ، وأشرف على إعداد المخطط الجديد ، بعد أن كان أشرف على إعداد مخطط 1972/1976 ، وعبد العزيز الأصرم في الاقتصاد ، وحسان بلخوجة في الخارجية ، والطاهر بلخوجة في الاعلام ، وإدريس قيقة في الداخلية ،  وغيرهم من القامات الكبيرة التي تشكلت منها حكومة قوية ، قادرة على الفعل.
هنا سنتحدث عن الاعلام الذي أراد محمد مزالي في البداية أن يكون سهمه الأول في إطار تحرير الحياة السياسية ، وكان الاختيار من قبله للطاهر بالخوجة موفقا  لتنفيذ سياسات تحررية ، وهو الرجل الذي أبدى فيما سبق إصرارا على اتباع سياسة متحررة ، وهو على رأس وزارة الداخلية  المفترض أن تكون اليد المتصلبة للحكومة.
ولي مع الطاهر بلخوجة قصة طويلة ، لم أكن أعرفه بقدر ما يعرفه مواطن عادي، وأقدر أنه لم يكن يعرفني البتة ، فمن أنا ليعرفني رجل وصل إلى أعلى المراتب ،
كان ذلك في بداية السبعينيات ، وبمناسبة انعقاد مؤتمرات لجان التنسيق  للحزب الاشتراكي الدستوري ، تم التقدير في رئاسة تحرير ، بأنها فرصة لمعرفة النبض الحقيقي للشعب، فقد ساد الشعور آنذاك أن النقاش داخل الحزب الحاكم يتسم بالصراحة  أكثر مما هو الأمر خارجه ، ولم تكن  تلك الصراحة تخرج للشعب ، وفعلا قامت رئاسة التحرير بتخصسص فريق من المحررين لتغطية كل تلك المؤتمرات ، مع التوصية بعدم وضع أي رقابة ذاتية ، على ما يصدر عن المؤتمرين ، وفعلا قامت الصباح وقتها بتعرية أشياء كثيرة سلبية مما يعتمل في ضمائر الدستوريين ( سواء مناضلين أو متسلقين)  ، وللواقع فإننا لم نجد أي ممانعة من السلطة ، ربما لم يكن في تقديرها أن الأمر لم يكن مهما جدا،،،، بعد تغطية كل المؤتمرات ، توليت شخصيا القيام بعمل تأليفي لاستنتاج ما يمكن استنتاجه ، وعلى ثلاث حلقات طويلة ومركزة ، توليت إبراز أشياء لم يكن متوقعا إبرازها ، وإذ كان الأمر غير ملفت للإنتباه في بداية الأمر ، فقد أفادت جهات التوزيع  في الجريدة ، أن أعدادا من المواطنين ممن فاتتهم تلك الحلقات توافدوا على الجريدة بكثافة لطلب نسخ منها ، لكن المفاجأة كانت عندما دعاني الرئيس المدير العام المرحوم الحبيب شيخ روحه إلى مكتبه ، حيث وجدته في غاية الاغتباط  ضاحكا، وأبلغني أن وزير الداخلية الطاهر بلخوجة وهو صديقه منذ زمن طويل ، قد خاطبه بالهاتف مهنئا سواء بتغطية مؤتمرات لجان التنسيق ، أو خاصة بالتحليل السياسي الذي تولاه الصحفي عبد اللطيف الفراتي ، ورجاه إعلامي بذلك ، كنت للحقيقة مغتبطا بذلك التقييم ، ففي صحافتنا التونسية لم نكن متعودين على التحليل السياسي ، وكنت شغوفا بالتحاليل في جريدة لوموند ، وفي الإكسبريس ولونوفال أوبسارفاتو، وأيضا ما يأتينا من الشرق ، مثل النهار والأسبوع العربي ، والأهرام، وطفقت أبحث عن كتب الصحافة وأغراضها ، ابتداء من صنوف كتابة الخبر إلى الأغراض الأخرى ومنها الريبورتاج والحديث الصحفي ، والحملة ، وخاصة التحليل الصحفي أو التحليل السياسي ، وقد كتب ماهر المذيوب رسالة التخرج  في علوم الصحافة  ، بشأن التحليل السياسي الصحفي في تونس ، مبرزا أني شخصيا من السابقين فيه.
لم أكن قد قابلت الطاهر بلخوجة ، رغم ما كان يصلني من أصداء عن إعجابه بكتاباتي  عن طريق مديره للشؤون السياسية عبد الكريم موسى ، وهو الصحفي الذي رافق عددا من كبار السياسيين كمستشار مسموع الكلمة.
في أحد أيام صيف 1978 ، دعاني عبد الكريم موسى إلى مكتبه ، وهي سابقة ، وكانت تلك أول مرة أدخل فيها إلى الوزارة ، عدا مرة سابقة استدعيت فيها لمحاسبتي على وضع توقيعي على بيان لفائدة أحمد بن صالح الوزير القوي الأسبق بعد إقالته.
باختصار ، قال لي عبد الكريم موسى ، قد لا تعرف أن السيد الطاهر بلخوجة عندما كان سفيرا معتمدا في دول كل إفريقيا الغربية مع الاقامة في داكار ، ارتبط بصداقة عميقة ، مع السيد محمد علي حمادة، الذي أصبح رئيسا لمجلس إدارة مجموعة جريدة النهار التي يملكها غسان تويني ، ممثل لبنان آنذاك في الأمم المتحدة ، والسيدمحمد علي حمادة من القيادات الدرزية في لبنان ، وهو أب لمروان حمادة الوزير آنذاك ، ونادية حمادة زوجة غسان تويني وعرفت بأنها شاعرة مفوهة باللغة الفرنسية ، ونالت عدة جوائز، لم أكن أعرف ذلك ، جمعتنا جلسة أولى  محمد علي حمادة ، وكان قد تجاوز سن التقاعد في الوظيفة بعد أن كان سفيرا ، وهو يجمع بين كياسة الرجل الذي قضى حياته في الديبلوماسية  من أول سلمها إلى مستوى السفير ، وعبد الكريم موسى الصحفي رئيس التحرير الأسبق في جريدة العمل ،  قبل أن يتولى السفارة في عدد من البلدان ، ثم يتولى الادارة العامة السياسية في وزارة الداخلية مع الطاهر بلخوجة ، والخارجية ، ثم  في رئاسة الحكومة مع محمد مزالي ، ويتسم بحس فني مرهف ، كيف لا وزوحته إلى جانب قيادة عدد من المؤسسات ، كانت رسامة بارعة ، وكانت تنظم معارض لرسومها بصورة دورية ، وكنت ثالثهما ، وجاء العرض الرسمي بتولي مراسلة جريدة النهار العربي والدولي التي تصدر من باريس ، كان محمد علي حمادة يتحدث وبين يديه قصاصات من مقالاتي وافتتاحياتي  بعضها قديم جدا يعود لسنوات، ، وكان يشير من طرف خفي إلى أن الكتابة في جريدة دولية تتطلب حيادية أكثر والانفصال عن كل ذاتية .
انطلقت في التجربة مباشرة ، وكنت أرسل مقالاتي غير الحينية بالبريد ، بكلفة عن كل إرسالية بـ25 دينارا عن كل رسالة ، أما المقالات أو الأخبار العاجلة وعادة في اليوم الأخير أو الساعات الأخيرة قبا  القفل ، فكنت أمليها بالتلفون ، وكنت أسجلها على الريكوردر الذي مدوني به من باريس ، وكنت أسجل ذلك ثم عند الإرسال أستعمل سرعة كبرى ، وفي رئاسة التحرير يعيدونه إلى السرعة العادية قبل التفريغ.
كانت تلك هي الخطوات الأولى في التعامل مع صحافة غير تونسية ، ولقد تعلمت كثيرا من هذا الاحتكاك مع عمالقة عرب ودوليين ، فقد تزاملت مع عبد الكريم أبو النصر وهو دائرة معارف واسعة ، ومقتنص أخبار لما يملكه من كنش أسماء وتليفونات عبر العالم ، وإلياس الديري الأديب الصحفي ، وأمين معلوف وهو أحد الكتاب الكبار في فرنسا ونال أكثر من جائزة عالمية ، والشهير مصطفى أمين رئيس تحرير الأخبار المصرية ، الذي كان بمثابة الشخص الملهم لمؤسسي الشرق الأوسط والعرب نيوز ومجلة المجلة وسيدتي ،  وجهاد الخازن ، و محمد جاسم الصقر رئيس تحرير القبس ، ومجلة الوسط وخاصة غابريال طبراني وغسان شربل وجريدة الراية القطرية مع أحمد العلي والشرق . وكذلك بيزنيس ويك الأمريكية والمختار الأمريكية أيضا.
وإذ كانت استفادتي كبيرة من مجاورة عمالقة في الصحافة العربية ، والدولية مثل باترك سيل ، فقد لمست الفارق بين التناول الصحفي في المدرستين الكبيرتين المصرية واللبنانية ، والتنافس بينهما خاصة أيام اشتغلت في الشرق الأوسط ، فالصحفيون اللبنانيون يعتمدون التقطيع وترتيب المقالات على أساس 1 و2 و 3 إلخ لسرد الأحبار والتحاليل وتطورها،  بينما كان الزملاء المصريون يفضلون السردية المتدفقة على الطريقة الأنقوسكسونية. وقد اخترت منذ ذلك الوقت التعامل الصحفي وخاصة في التحاليل بالطريقة اللبنانية .
**
إذن حصل توجه في اتجاه التحرر السياسي بمبادرة من المثقف محمد مزالي ، فحصل انفتاح حقيقي في التناول الصحفي ، من ذلك أن الطاهر بلخوجة بوصفه وزير الاعلام ، عمد إلى تنظيم بلاتو مباشر ، حول التوجات الاقتصادية المقبلة ، تولى قيادة فعالياته واحد من أفضل الصحفيين التلفزيونيين  الحبيب حريز ، وهو يتميز بالجرأة بمقاييس ذلك الوقت ، وكان مسنودا من حسان بلخوجة وزير الخارجية ، والمسوع الكلمة لدى الرئيس الحبيب بورقيبة ، بسرعة تطرق الحديث بمبادرة مني إلى موضوع التعويض والدعم ، الذي كنت وما زلت أرى  أنه غير عادل ، ويتوجه لمن يستحقونه ومن لا يستحقونه ، وأجاب منصور معلى بكل أريحية ، بأن الموضوع يستحق الدرس ، وينبغي العمل على إدراجه مستقبلا وتحديد الذين يستحقون الدعم وكيف يصرف إليهم ، مع تعديل تدريحي بعد ذلك  في أسعار المواد المدعومة ، ما إن انتهى الوزير معلى من حديثه وربما حتى قبل إكماله ، حتى تدخل الوزير الأول محمد مزالي  تليفونيا ومباشرة في البرنامح  ، وفي تقديري  أن محمد مزالي  كان إلمامه الاقتصادي محدودا في أحسن الأحوال ليقول ، بانه لن تقع مراجعة أسعار المواد الأساسية بما فيها الخبز ، سكت منصورمعلى ، ولم يدخل في سجال مع الوزير الأول ، وفي قرارة نفسي لم أكن أشعر ، بأن ما حصل من الوزير الأول على المباشر ، ليس لائقا على الأقل ، ولا يمكن أن يصدر عن رجل دولة.
في الأثناء اشتد الخلاف بين منصور معلى والطاهر بالخوجة وبشكل أقل مع وزير الاقتصاد عبد العزيز الأصرم ، وبين محمد مزالي ، واعتبر مزالي أنه حقق انتصارا عندما أقنع الرئيس بورقيبة بإقالة معلى وبلخوجة ، في انتظار استقالة عبد العزيز الأصرم ، الذي كان معارضا وهو وزير لمضاعفة أسعار الرغيف والمواد الأساسية ،  وكان اعتقاده أنه لن يمر كبير وقت و يخلق للحكومة مشكلا مجتمعيا لا قبل لها به، انقاد محمد مزالي  في تناقض كبير بينه وبين نفسه ، عندما تحول من معارض شديد كما حصل على التلفزيون ،  لأي تغيير تدريجي في أسعار المواد الأساسية  ، إلى متحمس شديد لمضاعفة أسعار الرغيف ومشتقات الحبوب، ورغم ما نبهه له البعض مثل عزوز الأصرم ، فإنه أصر على رأيه ، مقتنعا بأنه بذلك سيرضي الرئيس بورقيبة الذي زين له زكرياء بن مصطفى رئيس بلدية تونس ، أن هناك تبذيرا كبيرا في الخبز لتهاود ثمنه، وكان السباق على أشده على الخلافة ، وقد اشتد المرض بالرئيس بورقيبة ، وتكاثر التكالب لإرضائه بأي ثمن ، ولم يلعب محمد مزالي دوره في تخفيف غلواء الرئيس ، الذي كانوا يزينن  له كل يوم أنه وجب ترفيع أسعار المواد الأساسية للضعف بعيدا عن أي منطق ، ولما كان البرلمان مجرد غرفة تسجيل مر الأمر بأغلبية كاسحة ، رغم معاضة الأعضاء من النقابيين، كما كانت معارضة اتحاد الشغل بزعامة  الحبيب عاشور في قمة اللين، وأذكر أني ذهبت إلى منصور معلى في مقر البنك الذي كان يرأسه ، والذي تم إخراجه منه زمن  الرئيس بن علي لرأي اعتبره معاكسا لما يراه ، وسألته مستفزا، ها هو مزالي الذي تدخل في التلفزيون ضد ما اقترحته من الزيادة في أسعار المواد الأساسية ، يعود إلى رأيك ، أجابني بشيء من الانفعال : ليس هذا رأيي ما كنت أرغب فيه هو أن نعوض لأصحاب الحاجة للدعم ، وبالتدريج ، ما تفعله الحكومة من قرار مضاعفة سعر الرغيف أو الدقيق والسميد والكسكسي والمكرونة وكل المشتقات ، هو قرارسيثير الناس ، ولن يمر بسلام.
بعد أيام قليلة وفي مفتتح شهر جانفي 1984 ، دخل رئيس شعبة من شعب ولاية قبلي ، إلى عطار الحومة لشراء شيء من الدقيق أو السميد لا أذكر ، وعند الدفع فوجئ بأن الثمن هو ضعف ما كان يدفعه  من،  وساروا في مظاهرة عفوية منددين بالزيادة التي كان بدأ تطبيقها ، وقطرة بعد قطرة انتظمت المظاهرات في كل مكان ، ولعلع الرصاص وسقط  من التونسيين عدد  لست قادرا لليوم على إعطاء إحصائية عنهم.
أعلنت حالة الطوارئ ، وفرض منع الجولان ، وتعرض موكب رئيس الدولة ، عند عودته من قصر هلال إلى المضايقة ، وهي أول مرة منذ الاستقلال ، وهتف الناس بسقوط بورقيبة ، وهو ما لم يكونوا يجرؤون عليه منذ سنوات طويلة.
في اليوم الموالي أعلن بورقيبة بنفسه ، عن إسقاط القرارات حتى قبل العودة لمجلس النواب الذي صادق عليها ، ويقول العارفون إنه لو كان أخذ العصا من وسطها فقرر خفض الزيادة للنصف لبلع الشعب  " الحربوشة " ، وكان يكون مسرورا ، ولكن غاب القرار السياسي المعقلن.
يومها تم تثبيت محمد مزالي في موقعه كوزير أول ، وسقطت مطرقة ثقيلة ، على رأس وزير الداخلية ، إدريس قيقة، ومعاونيه ، تم التسريب فركب وزير الداخلية إدريس قيقة وطار إلى باريس ، بعد ساعات من صدور جريدة تبشر به معوضا لمحمد مزالي ، و تم سحبها قبل الوضع في السوق .
ليلتها بعكس ما كان في 1978 كان الدور علي لمرافقة إصدار الصباح ليلا ، تسلحت بكمية من الفواكه وزجاجات المشروبات الغازية بما يكفي للعاملين ليلتها من مطبعيين وصحفيين ،،،
خلال العودة للبيت  ما بعد منتصف الليل ، لاحظت مدى جدية الحراسة المشتركة بين الأمن والجيش ، فقد تعددت نقط المراقبة وكانت أشدها في ساحة باستور ، حيث لم تكتف الدورية ، بمدها بترخيص الجولان ، بل كذلك بأوراقي الشخصية وأوراق السيارة ، وفي مستوى حي المهرجان ، انعطفت ألى اليسار مقدرا أن الدوريات سيكون عددها أقل ، وأنني سوف لن أضطر للوقوف مرتين أو ثلاثة قبل الوصول إلى بيتي في المنزه الأول ، وفعلا لم تعترضني دورية إلا في نقطة الالتقاء بين الطريق الرابطة بين الصيدلية المركزية ، والمنزه الأول ، وقررت من ليلتها أن أبيت على عين مكان الشغل ، في الليلة الموالية تسلحت بالمكسرات والمشروبات الغازية وترموس كبير من القهوة والآخر من الشاي،  مع كامل العدة من فناجين وكؤوس ، ولم يكن قد درج بعد الماء المعدني على نطاق واسع ، كما تسلحت بمجموعات من أوراق اللعب رامي وبيلوت وشكبة،  وأيضا قطع الدومينو، وقد لاحظت أهمية عدد الباقين مثلي في مكان العمل ، والذين فضلوا  مثلي البقاء ، على ركوب مغامرة الدخول إلى بيوتهم، نام الكثيرون منا على كراسيهم ، فيما تكونت مجموعات للعب ، ارتفعت أصواتها وخلافاتها كما هي عادة اللاعبين ، وإذ كنت مشهورا بالقدرة على مقاومة النوم ، فقد لاحظت أنه لم يبق الكثيرون ساهرين ، وانفضت مجموعات اللاعبين و"المكندرين " منهم من نام على كرسي ومنهم من افترش مكتبا ، انتهى مفعول القهوة والشاي ، وقاومت النوم حتى جاء وقت رفع حظر التجوال في السادسة صباحا إن لم تخني الذاكرة ، في الحادية عشرة كنت في مكتبي لمشاركة صديقي المرحوم عبد الجليل دمق في الاشراف على إعداد الدفعة اليومية من جريدة الصباح ، التي كانت أيامها الأوسع انتشارا بين الصحف التونسية ، وكانت امتازت وقتها ،سواء بتنوع وصدقية أخبارها ، وبتعدد  تحاليلها ، وأذكر لليوم وكان يوم أحد كتبت فيها افتتاحية تلقيت عنها عشرات إن لم يكن أكثر من المكالمات ، مقدرة شاكرة ، وبقدر وفق ما أذكر كانت تلك الافتتاحية متزنة  ، فإنها كانت جريئة ، ولما بقيت في البيت يومها على اعتبار أن الصحيفة لا تصدر يوم الإثنين ، فوجئت بمكالمة متأخرة وقتا ، ولكنها أسعدتني  كانت صادرة عن  الأستاذ الدكتور عبد المجيد الشرفي ، لأاأذكر إن كان يومها عميدا لكلية الآداب أم لا ، غير أني سعدت بها وبما جاء فيها، وعبد المجيد الشرفي هو اليوم رئيس بيت الحكمة ، أعطاها من علمه ، وقدراته  وحكمته ما جعلها مؤسسة علمية عالية الشأن ، تتمتع بسمعة عربية ودولية غير مسبوقة .
هنا أيضا لم يعرف لحد الآن عدد ضحايا تلك المجزرة ، مجزرة ثورة الخبز ، غير أن ما أعرف أنه صدرت أحكام بالإعدام قاسية ، وما كنت أتابعه عن طريق رابطة حقوق الانسان الفتية أيامها ، أن مقابلة حاسمة جرت عن طريق باب موارب بين محمد الشرفي ( مرة أخرى شرفي ) الذي لم يكن وقتها قد أصبح رئيسا للرابطة ، " والماجدة " وسيلة بورقيبة ، على كره منه ، لأنه لم يكن يؤمن إلا بالتعامل مع من في يدهم شرعية القرار، وهي مقابلة أثمرت قرارا من الرئيس بورقيبة بالعفو عن أولئك الشبان ، الذين اتهموا بتأجيج الوضع " والتسبب " في قتل من قتل.
ولعله جاء الوقت لاماطة اللثام عن أسرار ما حصل يوم 26 جانفي 1978 ، وجانفي  1984 وربما أيضا ، أسرار مجزرة جويلية 1961  من أحداث في بنزرت ، أورد جانبا منها الطاهر بلخوجة في مذكراته.
والأحداث الثلاثة كان لها رجع صدى في مسار الأحداث في السياسة التونسية ، محمد مزالي نجح في إزاحة إدريس قيقة ، الأخير صاحب الوزن السياسي في حكومته ، وسفه أحلام من رجحوا صرفه من الوزارة الأولى ، فعادة بورقيبة كان ينتصر دائما لعضده الأعلى  رتبة على حساب من يعتبره منافسا  في انتظار الوقت المناسب للإجهاز عليه كفريسة بلا دفاع ، وكانت تلك الأحداث في جانفي 1984 ، مقدمة لسحب الثقة من مزالي ، فقد استعاد بورقيبة صلاحية ترؤس اجتماعات مجلس الوزراء ، قبل أن يقضي بعد عامين ونيف على مزالي ، ويدفع به للمحاكمة ولو غيابيا ، ويحاول القضاء عليه سياسيا ، ذلك هو بورقيبة في كما تعلم من فلسفة ميكيافيللي ، ونفذها طيلة حياته أحسن تنفيذ.