في آخر ربيع 2011 وكان الوضع متقلبا،
والانتخابات قد تأجل إجراؤها بعد أن كانت
مقررة لشهر يوليو تموز إلى شهر تشرين الأول أكتوبر، جرى لقاء أعتبره شخصيا
مهما، فقد التقينا مجموعة في بيت شيخ المناضلين والرجل المرجع، مصطفى الفيلالي ،
تحلقنا حول هذا الحكيم نتبادل الرأي في الوضع في تونس، ولم يكن ساء للحال التي
وصلها في 2012 ولا خاصة حاليا حيث أصبح ميؤوسا منه، تحلقنا إذن حول الرجل، كان
هناك الدكتور حمودة بن سلامة، والطاهر بوسمة والمنجي الكعبي، وخاصة حمادي الجبالي
، وقد استنبت لحية صغيرة على عكس ما كان عليه في سنة 1989 آخر عهدي به، وانطبعت
على جبينه علامة الصلاة السوداء، والدكتور زياد الدولاتلي وهو رجل إسلامي غير
معروف ، ولكنه يتميز زيادة عن أخلاقه العالية، بشيء من التوازن يميزه عن الآخرين،
وبكثير من الاعتدال ، جعله لا يبرز بين أترابه من الإسلاميين ، في زمن بات التطرف فيه هو السمة البارزة بينهم،
فهو ليس لا البناني ولا خذر ولا عتيق ولا المكي ولا بن سالم الأول والثاني، ولا
غيرهم كثيرون ممن يزايدون بعضهم عن بعض.
ولقد كنت شديد الإعجاب بحمادي الجبالي
منذ تعرفت عليه واقتربت منه في عامي 1988 و1989، واعتقدت دوما أنه ليس فقط رجل
سياسة ممتاز، ولكنه يرقى إلى مستوى رجل الدولة، ولقد كان إعجابي به شديدا مساء ذلك
اليوم المشهود، في 6 شباط فبراير الماضي، عندما استخلص العبرة من اغتيال شكري
بلعيد ، واتخذ الموقف الذي ما كان لرجل دولة أن يتخذ غيره.
**
ولكنه وفي ظل نظام حكم لا يقوم على
مسؤولية الحاكم ، ولكن على مسؤولية من لا مسؤولية له، أي الشيخ راشد الغنوشي ، تم
قطع رجليه، ولم يذهب بالمبادرة التي أقدم عليها إلى الآخر، ولكن سيسجل له التاريخ
أنه ذهب إلى ما كان عليه أن يذهب إليه كرجل دولة، يداه مربوطتان، في ظل نظام حكم
غريب عن الدول الديمقراطية، لأن الحاكم فيه ليس حاكما، ولأن القرار ليس قراره رغم
سمو موقعه.
وعودة لذلك اليوم في بيت السيد مصطفى
الفيلالي الصافي الذهن رغم التسعين سنة التي يحملها، فقد جرى الحديث عن احتمال
تشكيل حزب كان المنجي الكعبي متحمسا له، في وقت كان انتفاخ عدد الأحزاب قد بدأ
يتضح، وسينتهي الأمر إلى تشكيل قائمات مستقلة دخلها خلال الانتخابات كل من المنجي الكعبي والشيخ
مورو وصلاح الجورشي ورضوان المصمودي القريب من النهضة وعراب علاقتها المتميزة مع
الأمريكان.
كانت الصورة لدى البعض منا قد أخذت في
الاتضاح، وكان وضع النهضة متميزا، وأنا
شخصيا ،كان يسودني أيامها اعتقاد جازم بأن
النهضة ستنال أغلبية لا نسبية ولكن مطلقة، أي إنها ستنال أكثر من نصف مقاعد المجلس
التأسيسي، وذلك انطلاقا من أمرين اثنين:
*أنها تتمتع بورقة رابحة جدا وهي أنها
كانت ضحية، وقد استغلت ذلك الوضع كما لم يستغله أي طرف آخر.
*أنها كانت تعد الطرف الأكثر أخلاقا
والأكثر تدينا، وانتشر أيامها القول بأنها "تخاف ربي"
وسيضاف إلى ذلك لاحقا أمران اثنان أو
ثلاثة :
أولهما برنامج من 360 نقطة ليبرالي
التوجه على كل الأصعدة.
ثانيهما: وعد صريح مسجل على الحركة
بأن المهمة أي مهمة التأسيسي لن تستمر أكثر من سنة واحدة.
ثالثهما: وعد صريح آخر من الشيخ
الغنوشي، بأن مرجعه يبقى ذلك الحديث الصحفي الذي أدلى به لجريدة الصباح والمنشور
في 17 تموز يوليو 1988، ولما كنت أنا الذي قمت بتلك المقابلة الصحفية، واعرف
مداخلها ومخارجها، كان ذلك الإعلان مطمئنا ، وإن تم التراجع عنه بعد وصول النهضة
للحكم.
من هذه المنطلقات ومما يدور في الشارع، ومن بدايات
عمليات سبر الآراء، تشكلت لدي منذ ذلك الحين قناعة بأن النهضة ستكون الفائز في
الانتخابات، وقد صارحت يومها الأستاذ حمادي الجبالي، بأني أنا شخصيا لن أصوت
للنهضة، وأضفت بأنه ليس من مصلحة النهضة أن تستلم الحكم في حالة فوزها
بالانتخابات، وبالرجوع إلى ما دونته يومها كما أفعل دوما بعد كل لقاء يبدو لي
هاما، لم أجد مدونا ما أعتقد أنه أجابني
به وقتها، ولكني أتذكره بصفة ضبابية ولست متأكدا منه، بأن القواعد لن تتسامح إذا
فرطت النهضة في انتصارها ، ولم تتول الحكم.
لعل ذلك الكلام لم يصدر عنه، ولعلي
سمعته في موضع آخر، ولكن للأمانة لا يمكن أن لا أذكره ما دام راسخا في ذهني في أي
موضع كان.
**
بعد انتخابات 23 أكتوبر، كانت
المفاجأة بالنسبة لي أن النهضة لم تحصل
على أغلبية مطلقة، بل أغلبية نسبية أهلتها لأن تكون الحزب الأول بـ 89 مقعدا من
جملة 217 في المجلس التأسيسي، أي أنها رقم أساسي لا يمكن بحال تجاوزه.
للواقع أنا شخصيا ما كنت أتمنى أن يتم
اللجوء إلى انتخاب مجلس تأسيسي، وكنت أعتبر أن ذلك مضيعة للوقت والجهد، وكنت مثل
الكثيرين أعتقد بان دستور 1959 في صيغته الأصلية مع بعض التنظيف يمكن أن يكون
ملائما للمرحلة بعد إضافة عناصر مسايرة للقواعد الكونية التي دخلت الحياة، أما وقد
وقعت الفأس في الرأس بعد القصبة 1 وخاصة القصبة 2 فكان على المرء أن يقبل بالواقع.
كان الأجدر من وجهة نظري اللجوء إلى
أحد أمرين:
إما اعتماد الشرعية القائمة، بتكليف
البرلمان بغرفتيه بإجراء التعديلات الضرورية، وهو أمر قد يطول لفترة قراءتين
بينهما ثلاثة أشهر، ثم يتولى البرلمان حل نفسه بنفسه مع ضمان صرف مرتبات النواب
لآخر المدة المنتخبين لها أي إلى شهر تشرين الثاني نوفمبر 2014، كما حصل مرتين من
قبل في عام 1981 و1988.
وإما اعتماد الشرعية الثورية بتشكيل
لجنة خبراء مسنودة بالأطياف السياسية، تتولى تنظيف الدستور وتطويره ويعرض عملها
على الاستفتاء العام.
ولقد كتبت ذلك في إبانه في عدد من
الصحف، ولكن كلا من النهضة من جهة وحزب حمة الهمامي اتفقا رغم تناقضهما
المبدئي الشامل على انتخاب مجلس تأسيسي.
**
إذن تم انتخاب مجلس تأسيسي لم يجتمع
إلا عدة أسابيع بعد 23 أكتوبر، وحتى تم
التأكد من صحة الانتخابات وإعلان النتائج الرسمية النهائية.
بعد ذلك صرف وقت طويل في كتابة دستور
صغير وقانون داخلي للمجلس.
وفي مفاجأة غير منتظرة، حصل تحالف
معاكس لطبيعة الأشياء، بقيام ائتلاف بين
حزب ديني ـ يبقى دينيا رغم كل شيء وينتسب إلى فكر غيبي ـ وحزبان المفروض أنهما
علمانيان، وبدا عمليا أنهما أبعد من أن يكونا كذلك ، هما حزب المؤتمر بقيادة منصف
المرزوقي ، وليس غريبا ذلك فالرجل معروف بتقلبه، وفي فترة ما وكان رئيسا للرابطة
التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان ، وكنت وقتها أحد أعضاء هيئتها المديرة، كان على علاقة
متميزة مع الرئيس الأسبق بن علي ـ و حزب التكتل بزعامة الدكتور مصطفى بن جعفر الذي
كان في وقت من الأوقات نائب رئيس الرابطة وتزاملنا في تلك الفترة.
ومن أجل المنصب باع كل منهما كل
مبدئيته لينخرطا في عملية غير طبيعية.
**
وإذا وقع التسليم بأن ذلك ممكن ، فإن
الحزبان ، قدما كل التنازلات وابتلعا كل الثعابين، سواء أثناء كتابة الدستور
الصغير، أو القانون الداخلي للمجلس، بحيث خرجا من المولد بلاحمص كما يقول المثل المصري، ولم يفرضا حقا
على أي توازن في العلاقة مع شريكهما الأكبر، وبالتالي كان للنهضة نصيب الأسد من
القرار، سواء خلال صياغة الدستور، أو بمناسبة توزيع الغنائم وأقصد بذلك الوزارات،
وكان لكل منهما فتات لا يسمن ولا يغني من جوع، ورغم ذلك فقد كنت شخصيا من بين من
كان يرى، أنه ينبغي أن تترك للحكومة فرصة العمل، حتى تثبت جدارتها، وقدرتها على
تصريف الأمور في الزمن الصعب لما بعد الثورة.
ولكن المحاصصة الحزبية، واستيلاء
النهضة على مركز القرار ، فضلا عن قلة الخبرة والتجربة، وأحيانا الجهل المركب وسوء
التدبير والتقدير إن لم نقل شيئا آخر، أدى سريعا إلى أن تسقط حكومة، من صنف
الحكومات المستعجلة، والغير مدركة لطبيعة مهمتها لا هي ولا المجلس التأسيسي، تسقط في تسيير بعيد عن الحوكمة الرشيدة، وبدت مراكز
الدولة وكأنها غنيمة، ينبغي الإسراع بالسيطرة
عليها.
**
في ذات الوقت أظهر الحزبان "الشريكان" ضعفا
في الأداء فاكتفيا، بمناصب تشريفاتية كرئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس التأسيسي،
وقد أفرغا من كل معنى ، وبعض الوزارات الثانوية والفنية التي تحتاج إلى كفاءات
معينة لم تتوفر في الشخصيات المسندة
إليها، وكان من نتيجة ذلك فشل ذريع سواء في الوزارات الفنية، أو وبالخصوص في
الوزارات السيادية التي استأثرت بها
النهضة، وحتى عندما تم تسليمها حصل ذلك إما لأتباع أو شبه أتباع، كل هذا فضلا عن
سوء النية الواضح، في تلك الإرادة المبيتة من سيطرة نهضوية ،على قطاعات يقتضي التسيير
الجمهوري في أي دولة تسعى لأن تكون ديمقراطية ، أن تكــــــــــــون محيدة(بفتح الحاء
وتشديد الياء وفتحها)، فمرفق العدل بدا وما زال يبدو تحت إرادة قوية للنهضة لم يكن
ممكنا معه مجرد تخيل استقلاله، أما الداخلية فوقعت تحت براثن أدت إلى تكرار
الاغتيالات السياسية ، من لطفي نقض إلى
شكري بلعيد إلى زلزال النائب محمد البراهمي، إلى محمد بن مفتي، وإلى تنصيب 23 وال
من النهضة أو ما يقارب ذلك من بين 24 وال في الجملة ، فضلا عن المعتمدين والعمد، في محاولة لاستصفاء مراكز القرار ،
في ظل خلفية مشبوهة، بشأن عدم حياد الإدارة في أي انتخابات مقبلة، ما جعل
زعيم الجماعة، يتوقع ـ عن حق ما دام الأمر كذلك ـ نجاح النهضة في الانتخابات
المقبلة وما بعدها، رغم أن استطلاعات الرأي تجمع على أن موقع النهضة نزل من 37 في
المائة في انتخابات 2011 إلى 12 أو 13 في المائة حاليا، كل هذا عدا إنشاء ميليشيات
شبيهة بتلك التي أنشأها هتلر أو موسيليني ، من شأن دورها أن يمنع حق الأحزاب في
تنظيم اجتماعات مؤمنة (بفتح الهمزة وتشديد وفتح الميم) وذلك سواء في فترة
الانتخابات أو خارج تلك الفترة.
ومن هنا فإن المراقب المحايد لا يمكنه
فضلا عن استشراء الإرهاب المنظم، و المسكوت عنه وعن استعداداته طويلا بدون إجراء
ردعي، وما حصل في السفارة الأمريكية يوم 14 أيلول سبتمبر2012 ما يبدو معه وكان جهات ضالعة في حصوله ،
وانهيار الوضع الاقتصادي ، إلا أن ينتهي
إلى أن النهضة، ولا يمكن الحديث عن شريكيها، فليس كل منهما إلا شبحا لنفسه ( تدل
على ذلك استطلاعات الرأي)، قد فشلت، ولذلك فإن الفكرة المسبقة والفرصة التي أعطيت
لها ، قد زال موجبها.
عاد الحديث لتشنيف آذاننا عما يسمونه صحافة العار، وذلك بمناسبة الاعتصامات
فاشلة وناجحة، أترك لذكائكم تحديد من هي الاعتصامات الناجحة وتلك الفاشلة.
هل تلك التي زلزلت الأرض تحت أقدام السلطة القائمة، أم تلك التي لم تستطع
أن تجمع للمليونية الخالدة سوى 5 في المائة وفي أعلى التقديرات مما كان موعودا،
رغم تعبئة حافلات السلطة، ورغم الترغيب والوعيد تماما كما كان يحصل أيام التجمع
الذي برع وقتها في تجميع التظاهرات "التلقائية"، ولما كان ليس من الضروري
إعادة اختراع العجلة، فلماذا يحجم المرء عن الاستفادة من التجارب السابقة، مهما
كان مصدرها.
وعودا إلى الصحافة الموسومة بالعار، وهي مقولة عادت هذه الأيام، فلعل للمرء
أن يقول إن أكبر مقياس للنجاح هو حجم التداول، وفي هذه الحالة فإن نجاح الوسيلة
الإعلامية يقاس إما بتوزيعها أو بمدى اللإقبال على قراءتها، أو مشاهدته أو
الاستماع إليها.
والسلطة سواء مباشرة أو بصورة غير مباشرة اختطت لنفسها طريق إنشاء قنوات
تلفزيونية تابعة ، عددها 5 أو ستة، كان مرادا ومخططا لها أن تكتسح الساحة وأن تقضي
على إعلام"العار" ولكن اليوم ورغم السخاء المفرط،لقنوات لم تحصل ولو
واحدة منها على الترخيص القانوني، ف،ها تجد نفسها مجتمعة لا تكاد تحصل على واحد أو
اثنين في المائة من القدرة على استقطاب المتفرجين.
وفي وقت نجد فيه التونسية تستحوذ على حوالي 35 في المائة من جملة
المشاهدين، يعود ذلك في جزء منه لغباء مركب لدى السلطة، باعتبارها قناة رجل
"مظلوم" والناس يحبون الضحايا ويتعاطفون معهم، تحتل الوطني 1 المرتبة
الثانية خاصة في فترة نشرتها الإخبارية بينما حنبعل تحتل مساحة مشاهدة بـ13 في المائة ونسمة 7 في المائة وقنوات م ب س
حوالي 4 في المائة بينما هوى وزن الجزيرة إلى ما يقل عن 2 في المائة بعد أن كانت
وصلت إلى حدود يكاد يصل إلى نصف المشاهدين، وتلك هي ضريبة الالتصاق بالسلطة أي
سلطة، وقد تحولت الجزيرة إلى بوق من أبواق النهضة.
المغزى العميق أن إعلاما يقدر على الاستقطاب لا يمكن أن يكون إعلام عار،
ألم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: لا تجمع أمتي على ضلال.
هذا المقال
كتبه السفير سالم الفراتي، المتمرس في الشأن الوطني ، ونشره في المجلة
الإليكترونية ليدرز، وقد نلنا منه هو شخصيا ترخيصا لاستعماله على أعمدة مدونة
"الصواب" لما رأينا فيه من فائدة ، فشكرا له وللمجلة.
أما المقال الثاني في هذا الباب فهو من إنتاج رويترز حول خلافات المعتصمين
في ساحة باردو.
Il y a une constatation irréfutable en ces
circonstances exceptionnelles que vit le pays, après le lâche assassinat du
martyr Mohamed BRAHMI et les attaques sauvages au CHAAMBI : La
confiance entre la Troïka et les Partis d’opposition d’une part et la Troïka et
la majorité du Peuple Tunisien d’autre part est érodée.
Si après la démission de M. JEBALI, il y a eu reconnaissance de
l’échec de la politique suivie par son Gouvernement, ce fait ne semble pas du
tout ressortir jusque là des déclarations récentes du Chef du
Gouvernement et de certains des dirigeants de la Troïka.
Cette grave crise que notre pays vit dans la peur et qui augure
d’une confrontation violente entre les deux grandes tendances à
savoir celle qui refuse catégoriquement de remettre en question la
légitimité électorale de l’ANC et celle qui croit que cette légitimité
est frappée de caducité par suite d’un large mouvement populaire de
contestations et de désobéissance civile dans certaines régions.
Ces deux tendances dissimulent en réalité une différence de
nature du modèle de société tunisienne que chaque partie voudrait
instaurer.
Nous sommes en fait devant une impasse politique et juridique qui
consiste d’une part aux demandes cumulatives de mettre fin au pouvoir transitoire
par la dissolution de l’Assemblée Nationale Constituante et la
démission du Gouvernement et la mise en place d’un Gouvernement de
technocrates ou d’un Haut comité de Salut National et d’autre part de celles
de retour au dialogue pour trouver encore des compromis de nature à
achever, à brève échéance, la transition démocratique devant mener le
pays aux élections.
Devant une probable rupture entre les protagonistes avec toutes les
conséquences graves qui pourraient en découler pour le pays
en raison de l’existence certaine d’ interférences étrangères, de menaces
effectives de terrorisme avec leurs projets géostratégiques propres
et une détérioration drastique de la conjoncture économique, financière et
sociale, la Sagesse commande aujourd’hui l’exigence d’une solution qui sauve le
pays d’une « réelle Révolution » qui déchirerait
le tissu social d’une part et le retour par le dialogue – consensus à un
examen sérieux des problèmes ayant provoqué la Révolution de la liberté
et de la dignité d’autre part. L intérêt supérieur de la Nation et la bonne foi
de toutes les Parties concernées sont seuls capables de faire éviter le
pire à la chère Tunisie.
En effet, si la dissolution de l’ANC semble juridiquement
discutable à moins que l’Assemblée n’accepte
d’elle-même de le décider en tant qu’Autorité souveraine émanant d’une
volonté résultant d’élections libres et démocratiques, la démission du
Gouvernement est, par contre, évidente dans la conjoncture complexe et
grave que vit le pays sur tous les plans.
Quelle solution pratique est à envisager si tous les Partis et autres Forces
politiques représentés à l’ANC et les différentes Parties au sein
de la Structure du Dialogue National initié par l’U.G.T.T , accept
ent de nouveau les règles du jeu démocratique ?
Rappelons tout d’abord que l’avant propos du Décret n°6 du 16 Décembre
2011, portant organisation provisoire des Pouvoirs Publics, reconnaissaît à
l’ANC, outre l’élaboration d’une Constitution, notamment le droit « de
présider à la gestion des affaires du pays » par référence aux objectifs de la
Révolution alors que l’article 7 dudit Décret précise qu’ «en cas de
circonstances exceptionnelles empêchant le fonctionnement normal des rouages
des pouvoirs publics et rendant l’ANC dans l’incapacité de poursuivre son
travail normal, Elle a pouvoir, à la majorité de ses membres, de déclarer
que les circonstances exceptionnelles sont constatées et de déléguer sa
compétence législative ou une partie d’elle, au Président de l’ANC,
au Président de la République et au Chef du Gouvernement. Les trois Présidents
exercent les pouvoirs qui leur sont confiés par décret adopté par consensus.»
Sur cette base juridique et en considération de la constatation de données
objectives établissant, sur les plans politique, sécuritaire, économique,
financier, social et extérieur, les menaces qui visent le pays, l’Etat,
la République et la cohésion nationale, il apparaît que les
conditions sont réunies pour proclamer que le pays vit des «circonstances
exceptionnelles».
Aussi est- il possible d’envisager le scénario ci-après : 1) L’ANC se réunit et
décide à la majorité de ses membres de confier - pour une période
de sept mois - ses compétences législatives et la gestion des affaires du
pays aux trois Présidents qu’ils exerceront au sein d’un Conseil de la
République où siégeront des membres choisis à raison d’un membre
par Parti ou Formation représentés à l’ANC - y compris le Groupe
des députés indépendants- d’un membre pour chaque Partie
représentée dans la Structure du Dialogue National initié par l’UGTT et de
toute autre structure dont la représentation est jugée nécessaire par
le Conseil qui adopte toutes ses décisions par consensus sous la
Présidence du Président de la République. Le Conseil de la République
reste en session ouverte en raison des circonstances,
2) Le Gouvernement en place devra démissionner selon les procédures
en vigueur avant la mise en place du Conseil de la République,
3) Le Conseil de la République désigne un Gouvernement - dont
la nature est à convenir- chargé d’exécuter les décisions du Conseil ou
celles qu’impose la gestion courante des rouages de l’Etat à charge d’en
référer au Conseil,
4) Le Gouvernement dont le Chef est à déterminer par consensus,
sera formé au plus de 12 Ministres reconnus pour leur
compétence. Le Chef du Gouvernement et les Ministres renonceront à leurs
droits de se porter candidats aux élections législatives,
5) Les fonctions du Président de
la République et celles du Président de l’ANC seront assumées dans le cadre du
Conseil de la République,
6) Le Conseil de la République devra
se prononcer sans délais notamment sur les questions suivantes :
a) Désignation d’un Comité de dix experts indépendants reconnus pour
leur compétence pour préparer, par référence aux travaux en la matière à
l’ANC, un projet définitif de la Constitution et un projet
de la loi électorale ; le projet qui ne sera pas adopté par le
Conseil de la République sera soumis au référendum dans les
meilleurs délais, b) Le Conseil de la République parachèvera la constitution du Haut
Comité Indépendant pour les élections, c) Les Institutions créées par l’ANC et ayant commencé à exercer leurs
attributions poursuivront l’accomplissement de leur fonction à moins
d’une décision du Conseil de la République qui peut recourir à la constitution
de Comités ad hoc, d) Le Conseil de la République décidera :
- de la dissolution des Ligues de Protection de la Révolution et de toutes
autres structures pratiquant la violence,
- de la révision des nominations dans l’Administration Centrale et organismes
sous tutelle de l’Etat depuis le Gouvernement de la Troïka,
- d’une trêve sociale excluant toutes formes de doléances à
caractère matériel pour la durée du mandat du Conseil de la
République en vue de relancer le processus de normalisation de l’ensemble de
l’appareil productif. Il est entendu que les libertés et droits fondamentaux
s’exerceront sans aucune restriction.
7) Le Conseil de la République
et les structures provisoires crées et résultant de l’exercice de
ses attributions, seront dissous de fait dès mise en place
des Institutions Républicaines prévues par la Constitution.
La situation de gravité que vit le pays et qui pourrait prendre une tournure de
déstabilisation généralisée de L’Etat pour une durée difficile à
déterminer, engage la responsabilité des courants politiques qui se
sont laissés entraîner dans des diatribes partisanes, non conformes
ni à la vocation naturelle de la Tunisie, ni aux objectifs de la Révolution, ni
à son environnement historique et géographique ce qui a
favorisé une division fratricide du Peuple tunisien musulman
dans sa quasi-totalité.
Il est vrai que les électeurs qui se sont rendus aux urnes le 23 Octobre ont
subi des déceptions diverses par suite du changement des
orientations auxquelles ils ont cru ou par la dénaturation des
objectifs pour lesquels ils se sont engagés. Cette constatation s’est
conjuguée avec les scènes ridicules observées lors de certains
travaux de l’ANC sur fond d'assassinats politiques et l’exercice courant des
menaces et violences. Tous ces éléments ont jeté le discrédit sur l’ANC,
Dans cette configuration, la Troïka à qui incombe la plus grande part de
responsabilité historique comme entité exerçant le Pouvoir et l’opposition par
sa désunion, il est un fait qui établit
que le Parti de la Tendance Islamique ( ENNAHDHA
à présent) a, au cours de son histoire mouvementée, changé
«sa nature nationale» pour se greffer à des Mouvements de Confrérie
développant une stratégie qui n’a rien à voir avec le Modèle de
Société auquel le Peuple tunisien aspire et qui a été enrichi
par la Révolution de janvier.
Aussi, la sagesse commanderait t-elle aujourd’hui à tous les courants
politiques et Forces vives de Tunisie de donner l’occasion à ENNAHDHA de se
réhabiliter et de se réconcilier avec l’Environnement National
Tunisien et de se positionner comme toutes les autres formations politiques
dans le processus démocratique, s’inspirant de l’alternance politique -
formidable- telle que l’on a vécue pour la première fois de notre histoire
politique avec le Gouvernement de M. Béji CAID ESSEBSI, par
la renonciation pratique à des projets incompatibles avec la
richesse du patrimoine civilisationnel de la Tunisie.
De cette façon, les Forces démocratiques tunisiennes et autres de bonne
volonté aideront ENNAHDHA à sauver ENNAHDHA d’Elle-même et
d’engager sans tarder le processus de normalisation démocratique de la Révolution
de tous les tunisiens ; les intérêts supérieurs de la Nation , la tolérance et
la garantie des droits politiques et économiques de toutes les franges des
populations et des Régions et la relance rapide de l’Economie
tunisienne devront être les éléments incontournables de cette
Réconciliation Politique en Tunisie où tout courant politique «
Pacifique, National et Républicain » pourra avoir sa place dans le
paysage politique tunisien pour l’amour de la cohésion et de la solidarité du
Peuple tunisien. La Patrie sera, dans ces conditions, invulnérable. La Tunisie
ne peut se permettre dans le contexte décrit ci-dessus une confrontation
violente entre ses enfants !
L’Histoire ne pardonnera jamais !
Salem Fourati Ambassadeur de Tunisie à la retraite
les contradictions
des sit-inneurs du Bardo
Par notre correspondante à Tunis Elodie Auffray,
publié le 08/08/2013 à 19:59
Sur la place où ils campent depuis deux semaines, les
opposants au gouvernement tunisien dominé par Ennahda tentent de cohabiter
malgré leurs désaccords.
Lors
d'une manifestation à Tunis contre le gouvernement.
Reuters/Anis
Mili
Ils sont
unanimes à demander la chute du gouvernement tunisien et beaucoup à réclamer la fin de l'assemblée constituante. Pour le reste, les protestataires qui, chaque soir
depuis treize jours, campent devant les grilles du palais du Bardo,
s'entendent plus ou moins. Plusieurs incidents témoignent des ambiguïtés et des
dissensions d'une opposition diverse, qui tente dans la douleur de faire front
commun.
Il y a
d'abord eu l'affaire des mots de passe. Naceur Hidoussi, patron
du fournisseur d'accès à internet Hexabyte, avait mis à la disposition du
"sit-in du départ" des équipements pour monter un réseau wifi.
Code d'accès: "Bourguiba", a tranché, seul, ce proche du parti
Nida Tounes. Considéré comme la seule machine capable de faire
face à celle d'Ennahda, Nida Tounes, où cohabitent des militants de gauche et d'anciens
cadres du bénalisme, se réclame de l'héritage du père de l'indépendance, dont
beaucoup de Tunisiens sont nostalgiques. Mais d'autres n'apprécient pas cette
vénération du père de l'indépendance, qui fût certes un moderniste mais aussi
un autocrate. Et encore moins ce flagrant délit, parmi d'autres, de
récupération partisane du sit-in. Face au tollé, le mot de passe a vite été
changé pour un autre, plus consensuel : " tounesna ", "notre
tunisie". Un petit groupe de jeunes sans étiquettes, rodés aux libertés
numériques, a aussi monté un autre réseau. Ils lui ont donné le nom du député assassiné le 25 juillet, "Brahmi". Sans mot de passe.
Ce sont
les mêmes méthodes que celles de Ben Ali, qui organisait des concerts pour
séduire les jeunes
Critiquée
aussi, la grande scène et ses projecteurs montée au coeur de la place. "On
peut pas faire tomber Ennahda avec des chansons", tranche Ali, venu avec
une dizaine de jeunes "révolutionnaires" de Meknassi, dans la région
de Sidi Bouzid,
"pour enlever ça". Pour ce petit groupe de sympathisants du Front
populaire, la coalition d'extrême-gauche à laquelle appartenaient Mohamed
Brahmi et Chokri Belaid,
"ce sont les mêmes méthodes que celles de Ben Ali, qui
organisait des concerts pour séduire les jeunes".
Amina pas la bienvenue
A
couteaux tirés, Nida Tounes et le Front populaire se sont rapprochés à la
faveur de la crise politique. Les militants du "Front pop" ont ainsi
été priés de ranger le slogan qu'ils chantent souvent: "Ni Ennahda, ni
Essebsi [le leader de Nida Tounes, ndlr]". Quant à Amina, la
jeune Femen, elle n'était pas non plus la bienvenue. Remise en liberté
conditionnelle le 29 juillet, après deux mois de détention, elle a suscité un
vent de panique au Bardo: allait-elle se pointer? Ce risquerait de "nuire
à l'image du sit-in", confiait une militante de Nida Tounes.
Enfin, la
participation d'imams fait grincer des dents. Des "cheikhs" de la
Zitouna, l'institution phare de l'islam tunisien, réputé modéré, ont conduit
des prières, appelé à la chute du gouvernement. Ce jeudi matin, on a marqué
l'Aïd, la fin du ramadan, par une grande prière collective sur la place. Une
façon de ne pas laisser l'islam être l'apanage des islamistes, de proclamer
l'attachement au rite tunisien malékite, face à l'expansion du salafisme,
argumentent les uns. Une surenchère identitaire, un mélange des genres
inacceptable pour ceux qui défendent la sécularité et critiquent l'instrumentalisation
de la religion.
رسالة مفتوحة إلى السيد مصطفى
بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي المعلّق: تحية تقدير واحترام وكل عام وأنتم
بخير
10
رسالة مفتوحة إلى السيد
مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي المعلّق:
تحية تقدير واحترام وكل
عام وأنتم بخير
وبعد فما كنت
لأتجاسر على مخاطبتكم من موقع مجرد المواطنة لو لم أكن على يقين أنكم ضحيتم من
أجلها ’ وأنكم تعلمون حق العلم أنها اعز المواقع وأبقاها.
وما كنت لأرفع صوتي في حضرتكم
لو لم أكن أقدر أنكم تعلمون أني لم أتردد من موقع المؤلفة قلوبهم في تقديم الخدمات
التي كلفني بها حزبكم مشكورا دون أن يكلفه ذلك ولو شربة ماء. فللمأجور ثمنه
وللمناضل كرامته.
والحق أني ما ضننت بشيء على أية جهة وطنية الهوى ديمقراطية المقصد طلبت إلي
–من منطلق حسن الظن الكريم في شخصي المتواضع- المساهمة بجهد ما لخير تونس. والغالب
على ظني إن النسخة الأخيرة من برنامجكم
الانتخابي خرجت من بريدي الالكتروني ’ولا اذكر ما إذا نظر مناضلوكم إلى مقترحاتي
بشأنها بعين الرضا أم أنهم أهملوها. ولئن
اعتذرت عن المشاركة في أعمال اللجان فلأني لم أكن البتة متحمسا لفكرة البرنامج
الانتخابي باعتبار إن مهمة المجلس المزمع
بعثه يومئذ ليس حكم البلاد وإنما صياغة
دستور في ظرف سنة واحدة.
وما كنت لأسعى بين يديكم لو لم يغلب على ظني أنه بلغتكم أصداء ما استطعت من الجهد
لتلافي ما أمكن تلافيه من أسباب الفرقة في صفوف حزبكم منذ انطلاق أشغال «المجلس
الوطني التأسيسي «دون تهريج ’ تقديرا مني أن الوطنية الصادقة تعمل في صمت.
وما ذكرت ما ذكرت إلا ليطمئن قلبكم إلى أني لست من «دعاة الفتنة» ولا من منظري
«التدافع الاجتماعي» ولا من «الصائدين في الماء العكر».وليس أدل على ذلك مما كتبت
–سواء في جريدة» الشروق» أو جريدة «الصباح» – ردا لطيفا على من انتقد وضعكم في
المجموعة الحاكمة تقديرا مني إن السياسي
يحاسب على النتائج وأملا في أن يكون بوسعكم حمل المنحرفين على العود إلى الطريق السوي.والأخطر من ذلك كله أنه لم تكن لكم معرفة حقيقية
بمن تحالفتم معهم وبالتالي عذرتكم في أن تنتظروا منهم ما لا يمكن لعارف بهم أن
ينتظره. أما اليوم وقد حصحص الحق كما (انظر الشروق
بتاريخ 15/02/2013 ص13)فلم يعد ثمة ما يدعو إلى الإبقاء على أوضاع طال بقاؤها
وتعاظم شرها حتى كادت تذهب بالحس السليم عند طائفة من التونسيين جعلت من العقوق
فضيلة.
وهل عقوق أبعد ضلالة من التنكر لمكاسب الوطن بفضل منجزات دولة الاستقلال؟ لم يدع
احد انها انجازات كافية ولكن لايمكن بحال أن
ترد في وهم الحاقدين إلى «خراب»؟ تلك فئة
تربت على تخريف «فضائيات البيترودولار» فلم تعد تميز بين الحق والباطل «فأهانت
العلم الوطني» واعتدت على بيوت الله وفي مقدمتها جامع الزيتونة المعمور وحزبت
مؤسسات الدولة إعدادا لتخريبها ’واستباحت دم التونسي - قولا - تهيئة -عملا- لإشاعة
جريمة الاغتيال السياسي والخروج المسلح عن القوة العامة شرطة وحرسا وجيشا. وهل كنا
ننتهي إلى ما انتهينا إليه لو تركت المؤسسة الأمنية تؤدي واجبها في إطار احترام حرية
المواطن وضمان امن الوطن؟وهل كانت تونس تصبح سوقا لتجارة السلاح لو لم يكن إنهاك الدولة عامة من أساسيات
القائلين «بالتدافع الاجتماعي»؟
ثم إن حملة ذلك الفكر «التدافعي» أنفسهم هم
الذين اعتدوا على مدرسة الجمهورية ’ وسعوا إلى
«قتل موزار» علامة على استباحة كرامة الفنان واحتقار المبدع وتعطيل عمل الصحفي ’
فضلا عن وأد بناتنا في فوضى رياض الأطفال ومسخ ذكاء أبنائنا -إناثا وذكورا – في
متاهات «المدارس القرآنية». فهل أصبحت تونس كلالة تتعاورها أيدي المفلسين؟
وهل إفلاس ـ سيدي الرئيس ـ أظهر للعين وأبين للعقل من ذهاب ثقة المواطن في
من ائتمنهم على شانه؟ وهل ادعى لذهاب الثقة بمعنييها الأخلاقي والسياسي من تكاثر
القيل والقال في رجل الدولة فضلا عن أن يكون هو نفسه مروج الإشاعات؟ فكم من مرة
يخرج علينا هذا الوزير أو ذاك بإشاعة تآمر زيد مع عمر في سفارة بلاد العجائب لإرباك عمل الحكومة أو للانقضاض
على السلطة دون أن يردعه أحد وكأنما هو «لا يسال عما يفعل»؟ فكيف يستقيم مع هؤلاء
حساب؟ وهل سبة لتونس شعبا ودولة وحضارة وعقيدة أشنع من سبة مشروع «فتحها» كما
«فتحت مكة»؟
سيدي الرئيس
لقد رفعكم الشعب وتواضع لكم فرجائي إليكم ألا يخيب رجاؤه فيكم.لقد فشل مجلسكم في
الاضطلاع بالأمانة الموكولة أليه... وفشلت حكومة المحاصصة الحزبية ـ وان جرت على
قسمة ضيزى- في تحمل أعباء ثقيلة ما كان لها ـ والحق يقال ـ إن تورط نفسها في
مسؤولية تحملها. لذلك كانت تونس في خطر ولا ريب عندي أنكم تدركون دقة هذه المرحلة.
وليس بخاف عليكم أن من خصائص مراحل الانتقال
الديمقراطي أنها تتميز بالتزامن والاستعجال والعرضية. فإما التزامن فأعني به أن جميع مكونات المجتمع تطرح مشاكلها في وقت
واحد وكأنما هي تريد بذلك تدارك ما فات من وقت وما ضاع من حقوق في العهد قبل
الثوري. وأما الاستعجال فأعني به أن كل طرف يلح على الدولة في أن تستجيب حالا
لمطالبه ’الآن وليس غدا’ فقد طال الانتظار ونفد الصبر. وأما العرضية فأعني بها إن وضعا كهذا يمكن أن يفضي
–بحسب حكمة القيادة ـ إلى التغلب على مصاعبه أو أي الضياع في مصاعبه إذ تغلبه بدل
أن يغلبها. وبالتالي فان أخطر مميزات المراحل الانتقالية هي «أن كل شيء ممكن»
’الانتصار على المصاعب فتنتصر قوى التقدم أو العجز عن مجابهتها فتستولي علينا
عوائق التقدم.
ولا أخفيكم أن الحكومة الحالية أعجز ما يكون
حتى عن فهم طبيعة المرحلة التي رشحت نفسها لإدارتها. فظلمت نفسها وطفقت تكيل التهم
لغيرها لتبرير فشلها. أما في ما يتعلق بالمجلس فأهل مكة أدرى بشعابها. ولا أخفيكم
أني أفضل – من موقع المواطن وفي الظروف الحالية -الاكتفاء بدستور دولة الاستقلال
لسنة 1959 على «دستور» أنبنى على هذيان لا يضبط ومضايق لا خير فيها. فهل من مدكر؟
وتبعا لما أسلفت «فاني أعول على ما لمسته فيكم من وطنية جعلتكم من احرص الناس على
مصلحة الوطن ’ وعلى ما ربيتم عليه من عزة نفس حضتكم دائما على حسن تخير الصديق
والرفيق» كما أعول على حسكم السليم لتكونوا اشد الناس إحساسا بنبض الأرض وزفرة
الشعب فتتخذون القرار التاريخي القاضي بإنقاذ الوطن من شر محتمل.
ولتكونوا على يقين سيدي الرئيس إن بادرتكم
المنتظرة لن تنقذ شرفكم الشخصي فحسب ’وأنها لن تحمي الوطن وحده ’بل إنها ستهب حضارة برمتها القوة الدافعة إلى الانتصار للحرية وتأكيد انتصارها إذ ترفعها إلى عرش المؤسسات بعد إن انفجرت في صدور
الشعوب.
أليست المرة الأولى في تاريخ الحضارة العربية والإسلامية التي تخرج الجماهير ألافا
وملايين مطالبة بالحرية وبالحرية وحدها؟ ذلك ما لم يشهد له تاريخ الأمة مثيلا حتى
في ازهي فترات تاريخها. انه العبور الأعظم من حضارة «أصلح الله الأمير» إلى حضارة «الشعب يريد». ..
أليس ذلك إبداع تونسي صرف؟ فهل يليق بتونس أن يكرهها أبناؤها على خيانة الأمانة
العظمى وغدر الثورة الكبرى؟ إنها أعظم ثورة تشهدها حضارتنا بعد ختم الرسالة
المحمدية ولو لم يشهد لذلك محترفو تقزيم
الذات الوطنية ومنظرو المؤامرات الخارجية على حد سواء. ..
ولأمر كهذا كان في بادرتكم المنشودة ما يعين في الوقت ذاته على مزيد الإخلاص لحلفائكم ’ إذ هي تعين في الوقت ذاته على أن تصير الأمور إلى
حقائقها فيغنم من ذلك حلفاؤكم قبل خصومكم إذ
يتحولون يسيرا يسيرا إلى حزب سياسي له ما
لبقية الأحزاب من الحقوق وعليه ما عليها من الواجبات بدل ما هو عليه اليوم من
أوضاع مترددة بين فكرة «الزاوية» بما يعتمل فيها من «الكرامات» والإشارات
الربانية» وبين فكرة الطائفة بما توجبه من عصبيات عمياء وعزوف عن الوطن وجودا
وقيمة بحكم الانتماء اللاشعوري إلى «فضائيات
البيرودولار»...والى ما وراءها من القوى الظلامية. إنكم تقدمون لهم اجل الخدمات بتسهيل عودتهم إلىأحضان الوطن بين أهلهم
بدل هذه الغربة التي يعيشونها في أرضهم ومع اقرب الناس إليهم. فلا سماء تظلهم ولا ارض تقلهم.
سيدي الرئيس:
مهم ألا يكبو الجواد ولكن الأهم أن ينهض إذا كبا. وليس العيب في ألا يخطئ المرء بل العيب في أن
يصر على الخطأ. ولما كنت على يقين إن الله-تسامت حكمته- آمنكم من شر العناد والمكابرة ’ رأيت أن
اكتب إليكم ملتمسا منكم مزيد حسن الإصغاء إلى زملائكم المنسحبين ومزيد عمق التدبر
في ما تهتف به مئات الآلاف يوميا من أبناء الوطن’ شيبا وشبابا ونساء ورجالا.
ويسعدني جدا أن أكون معكم يوم 13 أوت لنحتفل بعيد من أعز أعيادنا الوطنية ’عيد
المرأة التونسية.
أملي وطيد في أن تحسموا أمركم في أقرب وقت ممكن وتضعوا يدكم في يد الشعب لنسعى معا
سعي مواطن واحد إلى تحقيق مطالب ثورة شباب مدرسة الجمهورية ’ «الشغل والحرية
والكرامة الوطنية». وهل غايات أنبل من تلك
يتخذها الإنسان موضوعا لنضاله ومعنى لوجوده.
حافظ ودكم
حمادي بن جاء بالله
تونس في 9 أوت 2013
ما من حكم مهما كان، يمكن أن يقطع
نفسه، عن المثقفين في بلاده، بل لعل كل حكم يعمل على البحث عنهم
"بالفتاشة" و يستميلهم ويستشيرهم، إنهم هم الضمير الحقيقي للوطن، لما
راكموه من معرفة وتجربة ، ولمدى تأثيرهم في المجتمع الذي يعيشون بين أحضانه ،
ويتفاعلون معه.
ولقد اختارت النهضة منذ وصولها للحكم ، أن تقطع علاقتها بمثقفي تونس
وضميرها، واختارت أن تعتبر "روابط حماية الثورة" كضمير تهتدي بهديه، ألم
يقل أحد زعمائها، إن نكبة تونس في طبقة مثقفيها.
ومن طبيعة الأشياء أن يبادل المثقفون النهضة شعور الرفض والتحدي، خصوصا مع
سلوك أبعد ما يكون ما يكون عما تعود عليه المجتمع من نمط يعود في أعماقه إلى منتصف
القرن التاسع عشر، في خضم ما يمكن أن يسمى بالنهضة العربية التي ساهمت تونس في
التنظير لها مع قيادات الفكر في مصر
والشام والعراق.
وبالطبع نقصد بعصر النهضة، ليس ذلك العصر الذي جاءت فيه حركة النهضة للحكم،
واعتمدت فكرا وأساليب وسياسات أبعد ما تكون عن الفكر النهضوي، الذي تعود جذوره إلى
عصر الأنوار في أوروبا منذ القرن الخامس عشر، وفلاسفته الملهمين الذين انتهى فكرهم
المتقدم، إلى إقرار الديمقراطية في بريطانيا العظمى، وإلى قيام الثورة الفرنسية ،
التي جاءت بمبادئ حقوق الانسان بكل سخائها الفكري ، بما فيها حق التمرد le droit à l` insurrection ضد ظلم الحكام أو
انحرافهم عن إرادة شعوبهم، كما كان الأمر في مصر مع حكم الإخوان ، وحكم الإخوان في
تونس.
والعداء المعلن من حركة النهضة تجاه الطبقة المثقفة التي عادة ما تكون هي
قائدة المجتمع وفي مقدمة مسيرته، أدى بطبيعة الأشياء إلى قطيعة مع المجتمع، هي
بصدد حصاد ثماره المرة.
ولعل النهضة خسرت على مستويين اثنين:
المستوى الأول هو توجه مبرمج مقرر من قيادتها العليا لتغيير نمط المجتمع ،
وهو أمر لم يكن مقبولا من قبل الشعب ، وفي لقاء مع أحد القياديين النهضويين بعد
مظاهرة ضخمة انتظمت في مدينة صفاقس، استغرب الرجل من كثرة عدد المحجبات ضمن
المظاهرة المضادة للحركة، وكان اعتقاد سائد لدي النهضة ،
أن من تحجب أو التحى هو بالتبعية من أنصار النهضة، وهو أمر غير مؤكد، بل لعله خاطئ
خطأ كبيرا، ولعل ما نراه حاليا في باردو يقوم دليلا على خطأ هذا التفكير، بل خطله.
أما المستوى الثاني فهو وضع الطبقة المثقفة في مواجهتها لا إلى جانبها، وفي
ما عدا حكومات الإطلاق كما يسميها بن أبي الضياف وليس دوما ، فإن طالبي السلطة
يسعون دوما لاكتساب تأييد المثقفين والانتصار لهم، بداية من الجنرال ديغول على
قوته المادية والمعنوية وقوة شخصيته، إلى الرئيس بومبيدو إلى الرئيس جيسكار
ديستانغ إلى الرئيس ميتران إلى الرئيس شيراك
إلى الرئيس ساركوزي وحاليا الرئيس هولاند، هذا في فرنسا وقس على ذلك في
الولايات المتحدة وفي ألمانيا، ألم يستمل هتلر مثقفين كبار منهم المؤلف الموسيقي
الكبير فاغنر.
أما عندنا فقد مارست النهضة منذ قدومها للسلطة طريقة استبعاد المثقفين
فحصدت اليوم أنها لم تجدهم إلى جانبها أو حتى البعض منهم، وانتهت إلى وحدة موحشة،
في ما إنهم هم طليعة الشعب وضميره.
لعل أكثر من يعرف الدور الذي لعبته
شخصيا بتورط من السلطة آنذاك في ربيع وصيف 1988، من أجل الاعتراف بشكل من الأشكال
بحركة الاتجاه الاسلامي ، هو الشيخ راشد الغنوشي.
وصحبة منصر الرويسي المستشار السياسي للرئيس السابق بن علي تم
إقناع الرئيس ،بعدم ترك ذلك الاتجاه الذي يمثل رقما مهما في الساحة السياسية، على
قارعة الطريق وخارج اللعبة السياسية، ومن هنا جاء الحديث الذي توليته شخصيا مع
الشيخ راشد الغنوشي، وقد ترددت عليه في بيته عديد المرات، ووصل الأمر إلى أني
تناولت الماء والملح معه في بيته، كما ترددت في تلك الفترة على قصر قرطاج من أجل
وضع اللمسات الكفيلة بما يرضي رئيس الدولة
والشيخ راشد الغنوشي، ما يمثل بالنسبة إلى الرئيس عربونا على حسن نية ذلك الاتجاه، لضمان التعامل
معه، وللواقع فإني وجدت وقتها من الشيخ الغنوشي مرونة أكثر بكثير، من تلك التي
أبداها وقتها الرئيس بن علي عبر مستشاره منصر الرويسي.
تم نشر الحديث يوم 17 تموز يوليو
1988، وقد كان بمثابة القنبلة، في الأوساط السياسية في تونس، ولكن أيضا لدى
السفارات الأجنبية، التي كنت أعتقد أنها كانت على علم به خلال كل فترة المخاض، دون
أن تكون على علم بمحتواه.
وأستطيع أن أقول اليوم وبعد 25 سنة،
أن الجميع فوجئ وقتها باعتدال الشيخ راشد الغنوشي، الذي أعتقد جازما اليوم أنه كان
صادقا في مضمون كل ما قاله، أو للحقيقة الاتفاق على ما قاله.
و من وجهة نظري الشخصية أنه كان وقتها، يلعب دور
المعارض الواعي بحدود القدرة المتاحة له على المناورة.
فقد كان عالما بالذهاب والإياب إلى
قصر قرطاج من طرفي، وما كان مطلوبا مني ومنه أن يقال.
في الأثناء صدرت صحيفة الفجر التي كان
مديرها ، حمادي الجبالي، وهو من وجهة نظري رجل مسؤول، يتميز بذكاء فطري، وثقافة
واسعة، وقد جمعتني وإياه مناسبات عدة كنا نتناول فيها طعام الغداء في مطعم فرنسي
في نهج هولاندا ملحق بفندق اسمه الدار المذهبة، وكان مرفوقا في بعض الأحيان بأحد
زملائه ممن لا أذكرهم اليوم، ولما كنت لاحقا تعرفت في إطار الهيئة المديرة للرابطة
التونسية لحقوق الإنسان، التي كنت أشغل فيها موقع الأمين العام المساعد، فيما كان يرأسها وقتها منصف المرزوقي، ويتولى
أمانتها العامة توفيق بودبالة (رئيسها لاحقا)، كنت أجد وجه شبه في دماثة الأخلاق
وسعة الاطلاع بين حمادي الجبالي وبن عيسى الدمني وكلاهما اسلامي، مع نوع من
التوازن الفكري والاعتدال في المواقف والصدق والنزاهة ، وكنت حريصا أيامها على أن
أدفع أنا شخصيا فاتورة المطعم، وكنت أعمد
دوما لذلك ،حتى لا أكون تحت رحمة أحد من السياسيين أو مدينا لأحد.
وإني لأذكر أنني في ربيع 1989 وبعد الانتخابات دعيت للولايات
المتحدة منفردا، ووضعت تلك الزيارة التي أعتقد أنها استمرت شهرا أو شهرا ونصفا،
تحت خانة المدعوين من كبار الشخصيات ، وخصصت للتجوال بين 13 ولاية درست فيها،
كيفية اتخاذ القرار في أكبر دولة في العالم، وقد تغيرت كثير من المسلمات عندي،
ومنها أن الرئيس الأمريكي بيده كل شيء، فقد فهمت أنه واحد من التروس التي تدير عجلة القرار في
الولايات المتحدة، وإذ له دور هام ما من شك في ذلك، فإنه مرتبط بقرار الهضبة أي
الكونغرس، وأيضا معاهد البحث الكبرى، التي تستشرف المستقبل وتؤثر في قرار الرئيس،
والجامعات وأساتذتها، واللوبيات، وقد فوجئت بأن أكبر اللوبيات تأثيرا هما اللوبي
اللاتيني أي المنحدر من أمريكا الجنوبية ، واللوبي الزنجي، وكلاهما خاضع وبقوة
للوبي الصهيوني الذي يمسك بتلابيب المال والإعلام.
خلال هذه الزيارة للولايات المتحدة
قضيت يوما في وزارة الخارجية، واقتبلني
يومها المكلف بالعلاقات مع شمال إفريقيا والشرق الأوسط، وقضينا فترة طويلة
في الحديث عن ظروف المقابلة الصحفية مع الشيخ راشد الغنوشي، وكما هو حالي دوما
عندما أتحدث عن الشأن التونسي في الخارج، فلقد أفدته بالظروف الحقيقية، للحوار
الصحفي، وكانت معلومة من الجميع أيامها، وأيضا حدثته عن الشيخ الغوشي، مستنتجا أنه
رجل صادق ونزيه.
لكن قبل ذلك كانت قد مرت الانتخابات
المزورة التي حصلت في ربيع 1989 ، في17 فيفري وكنا في مراكش بمناسبة قيام اتحاد
المغرب العربي، وقد دعا الرئيس السابق بن علي إلى إقامته عددا من الصحفيين
المرافقين له، وكنت شخصيا أتقاسم السيارة الموضوعة على ذمتنا مع الصديق إسماعيل
بولحية ، الذي كان يرأس أيامها تحرير صحيفة المستقبل، وبعد أن تلا علينا وزير
الخارجية آنذاك عبد الحميد الشيخ ميثاق الإتحاد، وكان أفرغ من فؤاد أم موسى، سأل
الرئيس بن علي واحدا واحدا منا عن رأيه،
بادرت وقلت له، إن اتحادا يجمع دولا متعددة لا يمكن أن يكون بدون أمانة عامة ولا
مقر، وأذكر أن إجابته كانت كما يلي :الملك الحسن الثاني لا يريد أجهزة ثقيلة ، وهو
يرى أن تتولى الرئاسة الدورية تنظيم المقر لديها خلال فترة رئاستها، وأن تتولى
الأمانة العامة.
كنا في طريقنا إلى الخروج من إقامة
رئيس الدولة، عندما استبقى الرئيس السابق بن علي إسماعيل بولحية ، جلست في السيارة
التي نشترك فيها أنتظر، مرت برهة، ثم
غادرتها أتمشى لما أصابني من سأم، بعد حوالي ساعة جاء الصديق، ركبنا السيارة
وانطلقت بنا، لم أتجرأ على سؤاله عن محتوى المحادثة طيلة هذا الوقت وموضوعها، فيما
كان هو من جهته صامتا وكان واضحا أنه يحمل سرا كبيرا.
سأعرف لاحقا وبعد أيام، إن الرئيس عرض
على إسماعيل بولحية، أن تنظم الانتخابات الموعودة بعد ذلك بأسابيع على أساس الوحدة الوطنية، فتدخلها الأحزاب
المعترف بها آنذاك بفردين أو ثلاثة بما
فيها الاتجاه الإسلامي مع التجمع الدستوري في قامات موحدة، ، وأن حركة الديمقراطيين الاشتراكيين سوف تنال
حوالي 25 مقعدا، كما علمت لاحقا أن كل الأحزاب رضيت بذلك وكان نورالدين البحيري
ينوب حركة الاتجاه الاسلامي آنذاك، باستثناء حركة الديمقراطيين الإشتراكيين التي
انتهت إلى الرفض بعد عقد مجلس وطني دراماتيكي، وربما كان وراء فشل المبادرة ومن
خلال معلومات توفرت لي ، كل من محمد مواعدة والهادي البكوش الذي كان يرأس الحكومة
في تلك الفترة ولعلها كانت فرصة للبلاد تم التفويت فيها بدون نظر للعواقب.
من هنا جاءت الانتخابات التي تم
تزويرها والتي شارك فيها الاتجاه الاسلامي بما سمي بالقائمات المستقلة أو القائمات
البنفسجية، وكانت مناورة استخباراتية خبيثة، فقد تم اشتراط تزكية عدد وافر من
الأشخاص لا يتكررون لكل مرشح ،وبذلك تم كشف أنصار كثيرين من النهضة ، سيكونون
وقودا لأكبر عملية انتقامية غير إنسانية في تاريخ البلاد.
ومما أذكر عن تلك الفترة الحبلى
بالأحداث ، والتي عشتها بوصفي رئيسا
لتحرير جريدة الصباح ومن مواقع المشاهدة الأولى، أنني كتبت افتتاحية ( كنت أعتقد
أن انتخابات نزيهة شفافة تنتظرنا) طبعا
بموافقة المرحوم الحبيب شيخ روحه، دعوت فيها الناخبين للتصويت لمن أرادوا
إلا للقائمات البنفسجية لأنها تبشر بنمط مجتمعي غير النمط السائد في تونس من عشرات
السنين.
ولقد ثارت ثائرة الشيخ راشد الغنوشي
واعتبرها سابقة في تاريخ الصحافة، حتى إنه جاء لمقر الصحيفة للتعبير عن احتجاجه
لدى مدير الجريدة، فيما إن النيويورك تايمز ذات الميول الجمهورية ، والواشنطن بوست
ذات الميول الجمهورية هي الأخرى، دعت في سنة 1961 أو 1662 للتصويت للرئيس كينيدي
الديمقراطي، فيما إن لوموند الديغولية عادة دعت في سنة 1982 للتصويت للاشتراكي
ميتران.
بعد ذلك غادر الشيخ راشد الغنوشي تونس غاضبا مني، وجاءت نكبة النهضة ، والله وحده يعلم ما هو
الثمن الذي دفعته لمحاولة الوقوف إلى جانب المظلومين من أبنائها في سلسلة محاكمات
غير عادلة عبر إيقاف سيل التنديد الذي حفلت به كل الصحف التونسية، في الأثناء
جاءني صديق في ربيع 1990 ليقول لي إن الشيخ يملك وثائق تدينني باستلام أموال من
نظام صدام حسين وكان معاديا له حتى غزوه للكويت ، باعتباري وقفت معه أيام الحرب
الخليجية الأولى، تحديته قائلا ليمدني بها وسأنشرها على الجريدة التي أتولى رئاسة
تحريرها، لم يصلني شيء منه، ثم جاء الغزو على الكويت فاتخذت منه الموقف المعلوم،
وأنا إلى اليم غير قادر على أن أفهم كيف تحتل دولة دولة أخرى مهما كانت الأسباب،
وغير قادر لا على فهم ولا على تفهم أن يؤيد العدوان أشخاص عادة ما يدافعون عن حق،
وأرسلت مع نفس الشخص الذي بلغني الرسالة الأولى ، وهو حي يرزق ولا أريد إحراجه، هل
كان لي أن أتحدى صدام حسين ونظامه لو كان في جيبي مليم واحد من مليماته.
أذكر فقط أن السفير العراقي في تونس في منتصف الثمانينات كان نوري الويس،
واستدعاني ليلة إلى عشاء في بيته، كنت اعتقد أننا سنكون مجموعة من المدعوين، ولكني
فوجئت بأني كنت وحيدا مع ملحقه الصحفي الأستاذ جعفر، في آخر العشاء وبعد حديث طويل
بلا معنى، جاء إلى بيت القصيد، قال لي لقد وقفتم معنا، نحن نريد أن نشتري منكم
5000 نسخة يوميا، ولكننا لا نريد أن ترسلونها لنا واشتممت رائحة محاولة الارشاء،
بعد أن رفضت ذلك العرض مطلقا، قلت له : على كل حال سأحيل المسألة إلى صاحب الشأن،
وعندما حملت الرسالة إلى المرحوم الحبيب شيخ روحه، ثار وأذكر كلماته: نحن لا نباع
ولا نشترى، ومواقفنا تمليها علينا ضمائرنا.