Citation

رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاء بأفضل من قولنا قبلناه. الإمام الشافعي

الأحد، 20 أكتوبر 2019

الموفف السياسي : مستقبل يكتنفه الغموض ؟

الموقف السياسي

يكتبه عبد اللطيف الفراتي
رئيس جديد ..
 حكومة جديدة ..
ولكن البلاد إلى أين ؟
تونس/ الصواب/ 20/10/2019
تتجه النية إلى تشكيل حكومة برئاسة النهضة ، وغالبا  من غير  رئيس النهضة راشد الغنوشي، ذلك أن أغلبية برلمانية واضحة تبدو في متناول اليد ، ولولا ذلك لما غامر رئيس الحركة ، ودخل هو وحزبه  رهانا لا يمكن إلا أن يكون رابحا ، فقد أخذت تتضح أغلبية من النهضة 52 نائبا ، وائتلاف الكرامة  20 نائبا  ، وحزب الرحمة  4 نواب تحبا تونس أو جانب من تحيا تونس 13 نائبا  ، وعدد من المستقلين " المضمونين "  لا يعرف عددهم بما في ذلك احتمال ، التمكين من مناصب في الحكومة الجديدة ، في ما أن التيار الديمقراطي سيردف أصواته بالأغلبية الحكومية 20 صوتا  ( لعدم وضع العصا في العجلة ) دون أن يقبل أي عضوية فيها ، ما لم يقع منحه وزارات العدل والداخلية والاصلاح الإداري – لمقاومة الفساد-  ، وربما صوت نواب من قلب تونس لفائدة هذه الحكومة لعدم قطع شعرة معاوية  (رغم الفيتوالقطعي  من قبل القيادات النهضوية ؟).
وإذ يمكن تمرير هذه الحكومة بأغلبية قصيرة ، لا تجعلها في مأمن من المفاجآت ، ولكن بعد الستة أشهر التي نص عليها الدستور، لعدم إسقاطها أو التصويت على لائحة لوم ضدها، أو سحب الثقة منها.
 فبعد 180 يوما يمكن أن تصبح هذه الحكومة في مهب الرياح  ، التي يمكن أن تعصف بها في كل حين ووقت ، ما يذكر بمصير حكومات الجمهورية الفرنسية الرابعة ، التي كان  معدل عمر الحكومات فيها لا يفوق 6 أشهر ، مع حصول حالات لم يصل فيها عمر الحكومة إلى شهرين.
ولعله ومما يزيد في هشاشة الوضع أمران اثنان :
أولهما أن رئيس الجمهورية المنتخب ، والذي سيتم تنصيبه الأربعاء المقبل ، ليس مضمونا ، ولم تتبلور صورته ، وصورة مشروعه عند أحد لا لدى الأحزاب ولا عند الشعب ، وهو محل نقطة استفهام كبيرة ، وهو وإن ساندته النهضة بقوة في مرحلة الترشيح الثانية ، فقد فاجأها مفاجأة غير سارة بما بدا علـــيه من شعبية عالية ، تجعل مركزه  أكثر مما كانت تتمناه  له النهضة ، ويجعل عوده أصلب أمامها باعتبارها ، الحزب الأول في البلاد ولنقل تجاوزا الحزب الأغلبي ، ولنا عودة لاحقة حول الموضوع.
ثانيهما أن الحكومة مهما كانت ستكون في وضع هشاشة كبرى وعليها ، أن تعيش وعينها مفتوحة ليلا نهارا ، ولن يستطيع الحزب الحاكم وقد كان دائما حاكما منذ 2012 ولكن ليس دائما في الصدارة ، وحتى إن أمكنت صياغة برنامج مشترك ، فإن تباعد المواقف الذي سيظهر في التصرف اليومي ، والاختلافات والفوارق تجعل الحكومة على كف عفريت ، ويكفي أن يستقيل عضو أو أكثر منها لتصبح في وضع أقلي ، لا يمكنها معه أن تعوضه بدون توفر 109 أصوات على الأقل.
وإذ لا يمكن لأحد أن يشكك في شرعية ومشروعية البرلمان ، رغم تشكيك في النزاهة من جهتين لا يرقى لهما الشك وهما الهيئة العليا للاعلام السمعي البصري والتي تتحدث بوثوق عن ارتكاب عدد من الجرائم الانتخابية التي كان ينبغي أن تفضي لسقوط أفراد وقائمات خاصة من مرشحي النهضة وقلب تونس ، ولكن الايزي لم تكن من الشجاعة لمجابهة الحزبين الكبيرين ، وأيضا هيئة شوقي الطبيب التي تشير بأصبع غير مرتعش لدور المال.
إذن رغم هذه الهنات فإنه يبقى على الأقل من الجهة الشكلية ، أمر الشرعية والمشروعية غير مطعون فيهما ، ولكن هناك أمر آخر ، يعود إلى طبيعة طريقة الاقتراع بالنسبية على القائمات مع أعلى البقايا ، فقد أظهرت النتائج بعد تحليلها أن 25 في المائة فقط من النواب المنتخبين تم انتخابهم مباشرة  وأصالة (54 نائبا من 217) وأن البقية كلهم منتخبون بأعلى البقايا أي 163 نائبا ، من بينهم من حاز فقط على 380 صوتا ، فيما الأول تميز بـ24 ألف صوت ، وهذا وإن طرح مسألة قلة عدالة هذه الطريقة الانتخابية ، فإنه لا يقلل من شرعية ومشروعية المنتخبين.
وفي ما يلي قائمة توضيحية للكيفية التي تم بها انتخاب النواب:
**
إن النسبة الكبيرة جدا التي فاز بها الرئيس قيس سعيد في الدورة الثانية هي نسبة غير معهودة في الدول الديمثراطية ، وإن كانت هناك سابقة في فرنسا في أوائل هذا القرن ، عندما فاز الرئيس شيراك اليميني على منافسه لوبان اليميني المتطرف بـ80 في المائة من الأصوات ، ولكنه اغترف أصوات كل العائلات السياسية وقوفا في وجه أقصى اليمين الموصوف بالعنصري.
ولعل هذه النسبة أخافت كل الأطراف السياسية ، وفي مقدمتها الحزب الفائز بالمرتبة الأولى في التشريعيات أي حزب النهضة ، الذي لم يخف أمام فرحته الظاهرة بخشية حقيقية أو فعلية من أن يعتبر قيس سعيد هذا الفوز استفتاء plébiscite  يعطيه وزنا يسمح له بكل شيء.
ففي بلد ديمقراطي وعندما يفوز شخص ولو رئيس جمهورية بـ 72.71 قي المائة من الأصوات أي 2.777 مليون صوت فإنه يعطيه وزنا ، قد يفوق الصلاحيات التي يمنحها له الدستور.
وفي نظر عدد من أنصاره ، فإنه إن لم يستطع فرض وجهات نظره خاصة بالنسبة لتنظيم مؤسسات الدولة  بواسطة استعمال الادوات الدستورية ،  فإن بإمكانه أن يشهد " شعبه " أي الذين صوتوا له ، ويطلب خروجهم للشارع طلبا لتحقيق مشاريعه ، وهو ما فعله الجنرال ديغول سنة 1958 ، وفرض بواسطته قيام الجمهورية الخامسة في بلاده.
ومن شأن هذا السيناريو أن يخيف طبقة سياسية هي في غالبها لا تريد أن تعاكس نص وروح الدستور ، خوفا من أن ينقلب عليها.
غير أن جهات أخرى لا ترى هذا الرأي ، وتعتقد أن " شعب " قيس سعيد لا يفوق بأي شكل عدد الذين صوتوا له في الدورة الأولى ، وأن الآخرين من الوافدين ، قد خاقوا خوفا شديدا مما أحاط بسمعة منافسه نبيل القروي من سيء الصيت خصوصا بعد الحملة الكبيرة التي نظمتها له النهضة ، على إثر ما نشر من وثائق اتهمته فيها بالتمويل الخارجي والتعامل مع إسرائيل ، وهي حملة شملت كذلك عيش تونسي وامتدت حتى إلى النهضة ، ولكنها فعلت فعلها الكبير مع القروي وحزبه ، وبعد أن كان في التشريعيات ووفقا لاستطلاعات الرأي تونسية وأجنبية  يحتل مرتبة أولى مريحة ، تدحرج إلى مرتبة ثانية بعيدة بحوالي 14 مقعدا ، بحيث لم يعد  جزبه مدعوا لتشكيل الحكومة ، وانهار في الانتخابات الرئاسية.
وبين هذا الرأي وذاك عن القدرات الفعلية لقيس سعيد ، لتعبئة الشارع بحيث يفرض أجندته الخاصة ، حتى على النهضة ،  والرأي الآخر ، الذي يقلل من تلك القدرات ، لا بد من انتظار العلاقة بين ذراعي السلطة التنفيذية ، هل ستكون متوترة أم ستكون هادئة ؟


الاثنين، 14 أكتوبر 2019

الموقف السياسي : ماذا ينتظر الرئيس قيس سعيد ؟

الموقف السياسي

يكتبه عبد اللطيف الفراتي
هل هي ثورة أخرى؟
تونس / الصواب /14/10/2019
مبروك الرئيس الجديد لتونس قيس سعيد ، وبهذه الصفة فإنه جدير بالاحترام والتقدير اللائقين بالخطة ، فهو رئيسنا ابتداء من اليوم ، وإن كانت التقاليد تقتضي أن يستلم الخطة الرئاسية ، ومتعلقاتها بعد مدة تتطلبها الاجراءات المرعية ، وصولا إلى المناسبة المتمثلة في الحفل الخاص بأداء القسم.
بعدها يستلم قيس سعيد مهامه الرئاسية كما ضبطها له دستور 2014 ، باعتباره هو الضامن لذلك الدستور "وهو رمز وحدة البلاد والضامن في استقلالها واسمراريتها والساهر على احترام الدستور" سواء كان موافقا لمقتضياته أو داعيا لتحويرها.
وكسابقيه من انتخب منهما عن طريق المجلس التأسيسي ( منصف المرزوقي) بعد توافق بين النهضة وحزب التكتل وحزب المؤتمر ، أو من انتخب بالاقتراع العام ( الباجي قائد السبسي)
نتيجة توافقات لاحقة بينه  شخصيا وبين حزبه والأستاذ راشد الغنوشي شخصيا ونيابة عن حزبه حركة النهضة ، وغيرهما ، وما تبع ذلك من تشكيل حكومات متعددة الانتماءات ، تعتبر بحكم ما تنص عليه مبادئ العلوم السياسية ، مسؤولة بالتضامن أمام البرلمان ، والشعب ، صاحب الأمر والنهي ، متمثلا في كلمة الصندوق ، الذي أنهى أو كاد الحزب الاول  المنبثق  عن  انتخابات 2014  نداء تونس ، وقصب أجنحة الحزب الثاني في انتخابات 2014 أيضا  النهضة (88 و66 مقعدا في البرلمان المتخلي ) .
واليوم فإننا نجد أنفسنا أمام رئيس غير مدعوم ولو نظريا بكتلة أو كتلتين أو أكثر في البرلمان، يبدو وكأنه حائز على ثقة الكتلة الأولى في البرلمان الجديد ، التي رغم تدحرجها من 66 مقعدا إلى 52 مقعد ، والمدعوة بحكم مقتضيات الدستور لتشكيل الحكومة ، مستحيل منفردة ، وإنما احتمالا بمشاركة من عدة كتل في البرلمان الجديد ، ليس معروفا اليوم من هي التي سجلت قبولا للدخول في توافق مع النهضة ، لتوفير أغلبية 109 من الأصوات لاستطاعة تمرير الحكومة ،  ونيل ثقة مجلس الشعب.
غير أن للسياسة أحكامها ، وإن بدت هذه المرة ضبابية ، اعتبارا لطبيعة نظام الاقتراع ، والذي كان وما يزال يشرذم كتل مجلس نواب الشعب ، ويزرع الشك بشأن احتمالات تشكيل سهل لحكومة ما في ظل وجود 17 نائبا منفردين  لا ينتمون إلى أحزاب أو قائمات مستقلة ، ليست واضحة انتماءاتهم ، و180 نائبا ينقسمون إلى عائلتين تشق كل منهما اختلافات عميقة .
 بصعوبة البدايات بالنسبة لرئيس جديد للجمهورية ، ليس  لأحد غيره يمكن أن يحل معادلة تربيع الدائرة كما يقول المثل الفرنسي.
وليكن الله في عونه ، وحركة النهضة الأولى في الانتخابات ، والتي يعود لها دستوريا أمر تشكيل الحكومة ، بقاعدة لا تتجاوز 52 مقعدا في المجلس وتحتاج إلى مدد إضافي 57 آخرين من النواب،  ليس واضحا حاليا من أين ستأتي بهم ، إلا في حالة قيام أغلبية رئاسية تتجاوز الانقسام الحزبي، وتلتف حول رئيس الدولة الجديد ، لتعطيه فرصة ، إبراز مواهبه في تشبيك الخيوط أو تفكيكها من بعضها البعض ، وهو أمر لن يكون سهلا ، إلا إذا قررت الأحزاب أن تكون قي عون رئيس جديد ، تنقصه التجربة ، ولكنه أظهر أنه يتمتع بمواهب أخرى لعل أهمها الاصرار.
الرئيس قيس سعيد ، الذي لم يتوقعه أحد رئيسا للدولة ، وكان يقال عنه كما عن منافسه نبيل القروي، إنهما لا يعدوان أن يكونا بالونتين قابلتان للانفجار في أي وقت ، ظهر في قائمات الترشيح للرئاسية في مؤسسات استطلاع الرأي منذ سنة الثورة  أي منذ 2011 ، ولقد قفز إلى الصفوف الأمامية منذ 2014 ، وما زال يزحف حتى ظهر كمنافس جدي منذ جانفي 2019 دون أن توليه الطبقة السياسية أهمية تذكر ، غير أنه تميز بالمثابرة والمواظبة والاصرار والصلابة في الموقف ، وقد خدمته كما خدمت نبيل القروي للوصول إلى الدورة الثانية عوامل داخلية وخارجية وإن اختلفت فقد جمع بينها استفادة كليهما ، من غباء العائلتين السياسيتين الرئيسيتين في تونس أو هكذا كان يظن ، فقد أفلت عبد الفتاح مورو من التحصل على دخول الدور الثاني ليس بقارق كبير ، لولا ترشح مجموعة من بعض المرشحين المحسوبين على العائلة الاسلامية في مقدمتهم سيف الدين مخلوف وبعض الآخرين ، ويبدو أن المرايحي هو الآخر "قضم" من خزان مورو ، أما الزبيدي فكان بإمكانه أن يأتي أولا بعدد أصوات حتى أكثر من سعيد في الدور الأول  ، لولا ترشح يوسف الشاهد ، وعدد آخر ممن يصفون أنفسهم بالوسطيين.
وفي هذه الحالة كان يمكن أن يكون السباق بين عبد الكريم الزبيدي وعبد الفتاح مورو ، وكان يمكن أن يكون رئيس الجمهورية اليوم أحدهما ، ولكن السياقات الانتخابية ، ليست خيالا سياسيا بل واقعا تفرضه مساقات لا يمكن التحكم فيها مسبقا أو التأسف عليها لاحقا  ، وإن كانت تدل في بعض الأحيان عن السقوط في حالة غباء سياسي يؤدي إلى كوارث.
المهم أن تونس اليوم تجد نفسها ، أمام واقع جديد يتميز ، بصعود ، رجل قانون ، لا بد له أن يحيط نفسه بمجموعة من الخبراء في شتى الميادين التي لا يسيطر عليها ، ولا بد للذين سينجحون في تشكيل الحكومة سواء من الوهلة الأولى أو الوهلة الثانية ، أن يعتمدوا عليه في اختيار كفاءات ربما يكون على دراية بمكامنها ، بوصفه جامعي توفرت له فرصة كبيرة لمعرفة الناس والكفاءات.
والأمل معقود على أن لا تصل  البلاد بالرئيس الجديد ، إلى مغامرة عدم القدرة على تشكيل حكومة ، فيضطر بحكم الدستور ، للدعوة لانتخابات تشريعية جديدة ، لا يتنبأ أحد اليوم كيف تكون تركيبة المجلس المنبثق عنها  ، في ظل طريقة اقتراع غير مطمئنة.
البعض يقول ، إن الثورة التي طفا بريقها بعد 2011 ، بكل من حكموا البلاد ، ستستعيد كل إشعها بانتخابات 13 أكتوبر 2019 ؟ هل صحيح هذا.؟؟؟


الخميس، 10 أكتوبر 2019

الموقف السياسي : المأزق



الموقف السياسي

يكتبه عبد اللطيف الفراتي
بعد الأحد
إلى أين ؟
تونس / الصواب /10/10/2019
مساء الإثنين ستتضح معالم الصورة إن اتضحت وبانت على الأقل خطوطها العريضة، ستفصح الانتخابات الرئاسية عن أسرارها ، ولو أن عددا كبيرا من المراقبين يعتقدون أن قصر قرطاج سيكون من نصيب قيس سعيد ، ولو أن الفارق الكبير بصدد التقارب ، ولو أن استطلاعات الرأي السابقة للتصويت  يمكن أن تخطئ هذه المرة كما أخطأت في الانتخابات التشريعية ، ولو أن ذلك بعيد الاحتمال باعتبار الفارق الكبير في التوقعات ، بعكس الفارق الصغير الذي كان يفصل النهضة عن قلب تونس قبل يوم أو يومين من التصويت  في التشريعيات ، والذي تم "ردمه" بفضيحة اللوبينغ " التي يقال إن حزب نبيل القروي وحزب عيش تونسي تورطا فيها ودفعا الثمن ، وحتى ما قيل من تورط النهضة ، فإنه لم يؤثر فيها.
على كل نحن اليوم أمام النتائج التي تكاد تكون نهائية للتشريعيات ، في انتظار نتائج أحكام الطعون ، وفي ما يلي ما يسمى بالنتائج الأولية ، في جدول واضح للتمكين من المقارنات التي سنوردها لاحقا وهو جدول من إعداد هيئة الانتخابات :


** الملاحظة الأولى أن 17 قائمة فازت كل منها بمقعد واحد من بين 31 قائمة  في الجملة حازت على مقاعد ، ما يعني أن 14 قائمة فقط فازت كل منها بما بين 52 مقعدا و2 مقاعد ،، ما يعني أيضا أن  7 قائمات فقط  استأثرت مجتمعة بـ180 مقعدا ، وهو ما يدل على مدى التشرذم والتشتت الذي أفرزته هذه الانتخابات، بحيث أنتجت برلمانا غير قابل لفرز أغلبية ، بدون اللجوء إلى تنازلات موجعة .
فالعائلة التي يمكن أن يقال فيها بوضوح أنها تنتسب للمرجعية الإسلامية ، صراحة مع اختلافات شديدة في التوجه لم تجمع سوى 76 مقعدا  ، فيما إن الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة تتوجب توفر 109 أصوات على الأقل.
وإذا أضفنا إليها  فرضا قائمة التيار الديمقراطي مع احتمال 11 أو 12 من أصحاب المقعدين أو المقعد الواحد فإنها بالكاد تصل إلى 110 أصوات ، فهل تكون كافية لتشكيل الحكومة ، هذا مع احتمال كبير بتجنب محتمل لئلا تتورط النهضة في التحالف مع ائتلاف الكرامة ، وحزب الرحمة ، خوفا من أن توصف بالتطرف ، وتفقد ما تدعيه من أنها حزب مدني بمرجعية إسلامية.
أما العائلة التي تدعي الوسطية وهي هلامية ، وتشقها خلافات عميقة ، كالخلاف بين قلب تونس ( القروي) 38 مقعدا  وتحيا تونس ( الشاهد )14 مقعدا ، وهو خلاف في العمق وشخصي ، باعتبار أن أنصار نبيل القروي يتهمون النهضة وتحيا تونس بفكرة القضية ، التي تم توريط وإدخال زعيمهم  بسببها للسجن ، حيث أصابه الخز شهر ونصفا ،  في خضم  فترة إجراء الحملات الانتخابية التشريعية والرئاسية ، مع استغلال فاحش لمشكلة اللوبينغ ،  التي يعتقد الكثيرون أنها أضرت كثيرا بقائمات نبيل القروي ، وصرفت العديدين عن التصويت لها.
وعلى كل ، وحتى إذا تجاوز من يسمون أنفسهم بالحداثيين  ، ما يفرقهم شخصيا وفي العمق ، فإنهم لا يستطيعون سوى جمع ما بين 90 و95 صوتا ،  ربما تضاف إليها بعض أصوات من حصلوا على مقعد واحد ،  أي حوالي100 صوت على الأكثر ، إذا استطاع نبيل القروي والشاهد تجاوز العداء المستحكم بينهما .
ومن هنا يبدو وكأن تشكيل حكومة تحت هذا الواقع وفي وقت معلوم ، صعب جدا إن لم يكن مستحيلا ، وقد تكون تونس متجهة في هذه الحالة إلى انتخابات تشريعية جديدة ، سبق لنا أن أثرنا احتمالاتها ، وهو أمر وفي ظل الأوضاع السياسية الاقتصادية الاجتماعية الراهنة يبدو كانتحار سياسي .
 سيتهم كل طرف الآخر بأنه المسؤول عنه ، وقد يقود البلاد إلى رؤية يوسف الشاهد مستمرا كرئيس حكومة ، ولكن موثوق اليدين والارادة ، لا حول له ولا قوة ، ويقتصر دوره عي تصريف الشأن المستعجل ، دون حق في اتخاذ قرارات ترهن مستقبل البلاد حتى على المدى القصير.
لكن  أسئلة كبيرة تطرح نفسها هنا :
-        من سيتحمل مسؤولية هذه الحالة الكارثية ، لنترك جانبا الشعب الذي كانت تلك إرادته ، من من الاثنين بالذات ، الحزبان الكبيران المفرزان في هذه الانتخابات أي النهضة وقلب تونس ستتجه له أصابع الاتهام ، هذا أولا.
-        وثانيا هل يرغب النواب سواء العائدين أو الجدد  التفريط في هذه الفــــرصة ( النيابة )  من جاه ومال وحصانة ، أن يتركوها ، تمر فنحن لا ينبغي أن  لا ننسى أننا في بلد متخلف ، وليست المصلحة العامة هي قائدة التفكير عندنا.
-        أن القيادات من وجهة نظري يمكن أن ترتفع على خلافاتها سواء المبدئية أو الذاتية ، وأن تتوجه في إطار ما تدعيه من مصلحة عامة ، إلى تناسي تلك الخلافات ، وتتفق على ركوب البلاد ، وتقضية 5 سنوات أخرى في ما لا يعني ، ثم في آخر العهدة تغسل يديها بالجافال أو حتى بماء الفرق ، معلنة أنها براء من المسؤولية.
-        ولنقل وبوضوح ، أن طريقة الانتخاب أو الاقتراع المعمول بها في تونس ، والتي هندسها عياض بن عاشور لانتخاب مجلس تأسيسي ، وأصرت النهضة على بقائها ، هي التي أنتجت الكارثة التي نقف أمامها.
للعلم فقط فلو كنا استعملنا في هذه الانتخابات طريقة الاقتراع الأغلبي ، وفقا لنتائج انتخابات الأحد الماضي ، لكنا اليوم في مواجهة مجلس تكون نجحت فيه 25 قائمة نهضاوية بكامل أعضائها ،  وحوالي 8 قائمات لحزب نبيل القروي . ( وهز يدك من المرق لتتحرق)
-        ولنا عودة.

الموقف السياسي : البلاد في مأزق .. هل يمكن الخروج منه ؟

الموقف السياسي

يكتبه عبد اللطيف الفراتي
بعد الأحد
إلى أين ؟
تونس / الصواب /10/10/2019
مساء الإثنين ستتضح معالم الصورة إن اتضحت وبانت على الأقل خطوطها العريضة، ستفصح الانتخابات الرئاسية عن أسرارها ، ولو أن عددا كبيرا من المراقبين يعتقدون أن قصر قرطاج سيكون من نصيب قيس سعيد ، ولو أن الفارق الكبير بصدد التقارب ، ولو أن استطلاعات الرأي السابقة للتصويت  يمكن أن تخطئ هذه المرة كما أخطأت في الانتخابات التشريعية ، ولو أن ذلك بعيد الاحتمال باعتبار الفارق الكبير في التوقعات ، بعكس الفارق الصغير الذي كان يفصل النهضة عن قلب تونس قبل يوم أو يومين من التصويت  في التشريعيات ، والذي تم "ردمه" بفضيحة اللوبينغ " التي يقال إن حزب نبيل القروي وحزب عيش تونسي تورطا فيها ودفعا الثمن ، وحتى ما قيل من تورط النهضة ، فإنه لم يؤثر فيها.
على كل نحن اليوم أمام النتائج التي تكاد تكون نهائية للتشريعيات ، في انتظار نتائج أحكام الطعون ، وفي ما يلي ما يسمى بالنتائج الأولية ، في جدول واضح للتمكين من المقارنات التي سنوردها لاحقا وهو جدول من إعداد هيئة الانتخابات :

** الملاحظة الأولى أن 17 قائمة فازت كل منها بمقعد واحد من بين 31 قائمة  في الجملة حازت على مقاعد ، ما يعني أن 14 قائمة فقط فازت كل منها بما بين 52 مقعدا و2 مقاعد ،، ما يعني أيضا أن  7 قائمات فقط  استأثرت مجتمعة بـ180 مقعدا ، وهو ما يدل على مدى التشرذم والتشتت الذي أفرزته هذه الانتخابات، بحيث أنتجت برلمانا غير قابل لفرز أغلبية ، بدون اللجوء إلى تنازلات موجعة .
فالعائلة التي يمكن أن يقال فيها بوضوح أنها تنتسب للمرجعية الإسلامية ، صراحة مع اختلافات شديدة في التوجه لم تجمع سوى 76 مقعدا  ، فيما إن الأغلبية اللازمة لتشكيل الحكومة تتوجب توفر 109 أصوات على الأقل.
وإذا أضفنا إليها  فرضا قائمة التيار الديمقراطي مع احتمال 11 أو 12 من أصحاب المقعدين أو المقعد الواحد فإنها بالكاد تصل إلى 110 أصوات ، فهل تكون كافية لتشكيل الحكومة ، هذا مع احتمال كبير بتجنب محتمل لئلا تتورط النهضة في التحالف مع ائتلاف الكرامة ، وحزب الرحمة ، خوفا من أن توصف بالتطرف ، وتفقد ما تدعيه من أنها حزب مدني بمرجعية إسلامية.
أما العائلة التي تدعي الوسطية وهي هلامية ، وتشقها خلافات عميقة ، كالخلاف بين قلب تونس ( القروي) 38 مقعدا  وتحيا تونس ( الشاهد )14 مقعدا ، وهو خلاف في العمق وشخصي ، باعتبار أن أنصار نبيل القروي يتهمون النهضة وتحيا تونس بفكرة القضية ، التي تم توريط وإدخال زعيمهم  بسببها للسجن ، حيث أصابه الخز شهر ونصفا ،  في خضم  فترة إجراء الحملات الانتخابية التشريعية والرئاسية ، مع استغلال فاحش لمشكلة اللوبينغ ،  التي يعتقد الكثيرون أنها أضرت كثيرا بقائمات نبيل القروي ، وصرفت العديدين عن التصويت لها.
وعلى كل ، وحتى إذا تجاوز من يسمون أنفسهم بالحداثيين  ، ما يفرقهم شخصيا وفي العمق ، فإنهم لا يستطيعون سوى جمع ما بين 90 و95 صوتا ،  ربما تضاف إليها بعض أصوات من حصلوا على مقعد واحد ،  أي حوالي100 صوت على الأكثر ، إذا استطاع نبيل القروي والشاهد تجاوز العداء المستحكم بينهما .
ومن هنا يبدو وكأن تشكيل حكومة تحت هذا الواقع وفي وقت معلوم ، صعب جدا إن لم يكن مستحيلا ، وقد تكون تونس متجهة في هذه الحالة إلى انتخابات تشريعية جديدة ، سبق لنا أن أثرنا احتمالاتها ، وهو أمر وفي ظل الأوضاع السياسية الاقتصادية الاجتماعية الراهنة يبدو كانتحار سياسي .
 سيتهم كل طرف الآخر بأنه المسؤول عنه ، وقد يقود البلاد إلى رؤية يوسف الشاهد مستمرا كرئيس حكومة ، ولكن موثوق اليدين والارادة ، لا حول له ولا قوة ، ويقتصر دوره عي تصريف الشأن المستعجل ، دون حق في اتخاذ قرارات ترهن مستقبل البلاد حتى على المدى القصير.
لكن  أسئلة كبيرة تطرح نفسها هنا :
-        من سيتحمل مسؤولية هذه الحالة الكارثية ، لنترك جانبا الشعب الذي كانت تلك إرادته ، من من الاثنين بالذات ، الحزبان الكبيران المفرزان في هذه الانتخابات أي النهضة وقلب تونس ستتجه له أصابع الاتهام ، هذا أولا.
-        وثانيا هل يرغب النواب سواء العائدين أو الجدد  التفريط في هذه الفــــرصة ( النيابة )  من جاه ومال وحصانة ، أن يتركوها ، تمر فنحن لا ينبغي أن  لا ننسى أننا في بلد متخلف ، وليست المصلحة العامة هي قائدة التفكير عندنا.
-        أن القيادات من وجهة نظري يمكن أن ترتفع على خلافاتها سواء المبدئية أو الذاتية ، وأن تتوجه في إطار ما تدعيه من مصلحة عامة ، إلى تناسي تلك الخلافات ، وتتفق على ركوب البلاد ، وتقضية 5 سنوات أخرى في ما لا يعني ، ثم في آخر العهدة تغسل يديها بالجافال أو حتى بماء الفرق ، معلنة أنها براء من المسؤولية.
-        ولنقل وبوضوح ، أن طريقة الانتخاب أو الاقتراع المعمول بها في تونس ، والتي هندسها عياض بن عاشور لانتخاب مجلس تأسيسي ، وأصرت النهضة على بقائها ، هي التي أنتجت الكارثة التي نقف أمامها.
للعلم فقط فلو كنا استعملنا في هذه الانتخابات طريقة الاقتراع الأغلبي ، وفقا لنتائج انتخابات الأحد الماضي ، لكنا اليوم في مواجهة مجلس تكون نجحت فيه 25 قائمة نهضاوية بكامل أعضائها ،  وحوالي 8 قائمات لحزب نبيل القروي . ( وهز يدك من المرق لتتحرق)
-        ولنا عودة.



الاثنين، 7 أكتوبر 2019

إعادة

إعادة

يكتبها عبد اللطيف الفراتي  
هذا المقال نشرته خلال الأسابيع الأخيرة استنادا إلى توقعات ناتجة عن استقراء الواقع الساسي عشية انتخابات تشريعية هي الأهم في النظام السياسي التونسي ، ونعيد اليوم نشره نظرا إلى أن انتخابات 6 أكتوبر وضعت البلاد قي وارد عواصف عاتية ، قد تستدعي إجراء انتخابات تشريعية  جديدة في ظرف قصير ، ومرور البلاد باهتزازات خطيرة.
الخميس، 26 سبتمبر 2019
سانحة :بعد الانتخابات ...هل يأتي المأزق؟
سانحة

يكتبها عبد اللطيف الفراتي
تداخل انتخابي
 6 أكتوبر تشريعية .. و13 أكتوبر استكمال الرئاسية
تونس/الصواب/ 26/09/2019
لن تتضح الصورة إلا مساء يوم الأحد 13 أكتوبر ، عندما تخرج تكهنات استطلاعات الرأي بشأن الرئيس المقبل لتونس ، وإن كان يبدو أن حظوظ قيس سعيد في الفوز بقصر قرطاج ، أكبر من حظوظ منافسه ، نبيل القروي.
وعلى أهمية المنـــصب الرئاسي ، في المخيال الــــــشعبي ، فإن دستور 2014 قد " قصب" جناحيه ، ودفع به إلى دور ثانوي في الحكم ، وخصه بالشأن الخارجي والأمن القومي ، الذي يمكن التوسع فيه أو تضييقه ، بحسب طبيعة العلاقة التي ستقوم بين الرئيس ورئيس الحكومة.
وإذ كان الانسجام قد طال صلاحيات رئيس الدولة بعلاقة برئيس الحكومة خلال عامين ونصفا من العهدة الرئاسية المنقضية ، فإن ذلك كان بسبب انتمائهما لنفس الحزب ، أو على الأقل فإن رئيس الحكومة كان معينا من رئيس الدولة ويحمل نفس اتجاهه ، وحتى عندما ساءت العلاقة بين السبسي والشاهد ، وتنكر الأخير لصاحب الفضل عليه بدفع من ابن الرئيس المدلل حافظ قائد السبسي ، فإن الأمر تواصل على وفاق بسبب طبيعة التوجهات في السياسة الخارجية وفي مجال الدفاع الوطني والأمن القومي .
ولعل الدلائل إذا كانت تشير أن الحزب الأول الذي سينبثق عن الانتخابات التشريعية في 6 أكتوبر ، سيكون من حزب "قلب  تونس " أي نبيل القروي ( كان ذلك هو توقع كل معاهد سبر الآراء تونسية وأجنبية لولا مغامرة ما نشرته وزارة العدل الأمريكية بشأن القروي والذي استغلته النهضة والأحزاب المنافسة ، رغم وجود اتهامات مماثلة ضد النهضة وعيش تونسي يعتقد أنه تضــرر منها عيش تونسي أيضا )  ، وإذا فاز قيس سعيد بالرئاسية في 13 أكتوبر كما تشير دلالات أخرى ، فإن البلاد قد تشهد خريفا وشتاء عاصفا مليئا بالرعد والبرق ، وهناك ثلاثة من السيناريوهات المتداولة ، إذا كانت نتيجة الانتخابات الأولى والثانية كما ذكرنا.
وفيما عدا ما إذا كانت نتيجة الانتخابات ستقود قيس سعيد إلى الفوز هو والحزام المحيط به اليوم ، على ما فيه من جهات متطرفة في الانتخابات التشريعية ، يعسر أن نراها منسجمة لاحقا ، ثم  الانتخابات الرئاسية ، فيكون الحزب الأول من محيط رئيس الجمهرية المنتخب ، وهو أمر مستبعد وفقا لللأرقام المتاحة ، وفي ما عدا إذا فاز نبيل القروي وحزبه " قلب " تونس بالاستشارتين الانتخابيتين وهو أمر مستبعد أيضا.
** فإن السيناريو  الأول يتمثل في فوز قيس سعيد بالرئاسية وحزب نبيل القروي بالتشريعية  ( كما كانت تشير كل عمليات سبر الآراء قبل تطورات التمويلات الأمريكية) دون أن تتعدى كتلته 30 إلى 40 مقعدا في أحسن الأحوال.
وفي هذه الحالة فإن رئيس الجمهورية يدعو " قلب تونس " ( بعد انتخابات 6 أكتوبر يدعو  زعيم النهضة )  لتشكيل الحكومة ويعطيه مهلة 30 يوما قابلة للتجديد مرة واحدة ، فإن تحقق تشكيل الحكومة ، فبها ، وندخل وقتها في الشد والجذب بين رئيس الجمهورية والحكومة  ( السيناريو السابق لتطابق بين النهضة وقيس سعيد أو هكذا المعتقد ) ، ولكن وإذا لم ينجح " قلب تونس"  ( النهضة ) في توفر 109 أصوات في البرلمان ، تفشل المساعي ويضطر رئيس الحكومة المعين إلى إعلام رئيس الدولة بعدم قدرته على تشكيل الحكومة ، وهو أمر مستبعد ولكن قابل للتصور.
 **نمر إلى السيناريو الثاني ، في هذه الحالة تصبح أيدي رئيس الجمهــــورية محررة ، وله أن يختار من يراه الأفضل لتشكيل الحكومة ، فيختار ترشيح رئيس حكومة من خارج الحزب الأول المنبثق عن الانتخابات التشريعية ، وفي هذه الحالة ، فإن رئيس الحكومة المعين يتمتع بمهلة شهر قابل للتمديد لشهر آخر ، ولعله يكون عاجزا خلال هذه المهلة عن تشكيل الحكومة بالنظر للتشتت الذي سيشهده المجلس النيابي ، والتجاذب واختلافات المؤيدين اليوم لسعيد.
** عندها نمر للسيناريو الثالث المتمثل في تعيين رئيس الجمهورية لشخصية أخرى من اختياره ، تتمتع بفترة شهرين  هي الأخرى لتشكيل  الحكومة ، والغالب أنه إذا فشلت شخصيتان قبله فستكون حظوظ نجاحه في تشكيل حكومة بأغلبية 109 أصوات في البرلمان محدودة جدا إن لم تكن منعدمة .
عندها للمرء أن يتوقف عند أمرين اثنين
** أولهما حسبما قيل لي من جهات قانونية متعددة فإن رئيس الحكومة الحالية يوسف الشاهد سيبقى رئيسا لحكومة  لتصريف الشؤون بصلاحيات محدودة ، ومن المحتمل أن تكون علاقاته مع رئيس الجمهورية المنتخب مضطربة.
** ثانيهما أن يكون رئيس الجمهورية مضطرا لحل البرلمان ، والدعوة لانتخابات برلمانية جديدة في آجال ضبطها الدستور ، وحينها تطول المدة الانتقالية ، وتتوقف أجهزة الدولة عن العمل واتخاذ القرارات اللازمة لتسيير البلاد ، وتونس ليست لبنان التي رأت مثل هذه الحالة ، من انعدام السلطة ، ولا بلجيكا التي بقيت في مثل هذه الحال أكثر من أربع سنوات عرفت تنظيم عدة انتخابات برلمانية.
تلك سيناريوهات محتملة ، ولكن لعل الجهتين الفائزتين في الانتخابات  رئاسية وتشريعية تقدمان  مصلحة البلاد على خلافاتهما وللحديث بقية.


الخميس، 3 أكتوبر 2019

الموقف السياسي: اهتزازات كبرى وخطيرة في الطريق إلينا

الموقف  السياسي

يكتبه عبد اللطيف الفراتي
انتخابات تتجاذبها
الشرعية والمشروعية
والاهتزازات المتوقعة
تونس / الصواب/3/10/2019
في عمر الديمقراطية الحقة التي جاءت بها ثورة الكرامة ، والتي برغم مرور 8 سنوات انقضت ، لم توفر الكرامة بكل من تداول على الحكم فيها من نهضة على مدى سبع سنوات ونداء تونس على مدى خمس سنوات ، ومؤنمر من أجل جمهورية لمدة 3 سنوات ، وتكتل لمدة سنتين ، والوطني الحر وآفاق واليسار وخاصة تحيا تونس لمدد متفاوتة ، فإنه يمكن القول ، إن أولئك الحكام ، لم يحققوا  لا من قريب ولا من بعيد الهدف الأسمى لأي حكم ، وهو الارتفاع بالمستوى المعيشي للشعب ، واكتفوا كلهم باجترار إنجازاتهم في مجال تحقيق الديمقراطية ، وحرية التعبير ، وكأنها تلك وحدها ما كان من مطالب الجماهير التي ضحت وسقط منها شهداء بأكثر من مائة وجرحى بالمئات ، ولم يكن المطلب الأول هو الكرامة التي يوفرها الشغل ولقمة العيش النظيفة بالجهد والبذل ، والحكام المتعاقبون وخاصة نهضة ونداء وتحيا ،  لم يفعلوا شيئا ، وهذا كان بمقدورهم لو صحت منهم الإرادة والعزيمة لوقف التسيب والارتخاء الانتاجي.
واليوم يقفون جميعهم كل يدافع ما أمكنه الدفاع عن نتائجه ، أو يحاول التملص من المسؤولية ،مثل النهضة وبالذات النهضة ، من كل مسؤولية ، في تدهور حال البلاد ومواطنيها ، وهو أمر لايمكن أن يقنعوا به أحد.
ومن هنا يجد الشارع نفسه أمام وجوه جديدة على الأفل على الحكم ، لم يألفها ، وإن كان بعضها متورط إلى الأذقان ، سواء في السير في ركاب العهد السابق لما قبل الثورة ، أو بصورة أو بأخري فيما بعده.
كلمتان قصيرتان عن الانتخابات التشريعية وهي ستكون سابقة عن الانتخابات الرئاسية في دورتها الثانية بعد أسبوع عن الأولى ، وفي الحالتين تبدو هذه الانتخابات محسومة ، إلا إذا حصلت مفاجأة لا تبدو منتظرة  أو متوقعة،
**
وبالنسبة للانتخابات التشريعية يبدو أن قلب تونس سيكون الحزب الاول ترتيبا، ولو بمسافة قصيرة عن ملاحقه حزب النهضة ، كما يبدو أنه فوق استطاعته أن يكون مدعوا لتشكيل الحكومة بمفرده باعتبار طبيعة طريقة الاقتراع بالنسبية على القائمات وبأعلى البقايا ، وهي طريقة سيئة الذكر،  ، سيقدر  الحزب الأول ( مهما كان بأربعين مقعدا في  الأكثر أو أكثر بقليل )على الأغلب توفير حزام ولو ضيق مما يسمى بـ"الحداثيين  الوسطيين من أنصار نمط المجتمع العصري "، بحيث يتمتع بالأغلبية البسيطة التي تمكنه من تشكيل الحكومة و تمرير التشريعات العادية ، دون أن تطلق يده بالنسبة سواء للقوانين الأساسية ، أو للتعيينات المنتظرة في المجالس الدستورية المعطلة ، أو أي تعديلات سواء في الدستور أو في المجلة الانتخابية ، وهي ضرورات لم يعد منها بد لسير الدولة  السير الطبيعي ، بما يذكر بأيام الجمهورية الرابعة في فرنسا وآزماتها التي عطلت سير دواليب الدولة، او أي قدرة في  الاقدام على الاصلاحات التي تأخرت أكثر مما ينبغي ، وحتى لو تم تعيين محمد الفاضل عبد الكافي ، الذي أطلق عليه اسم الفاضل ، تيمنا باسم جده الفاضل بن عاشور ، فماذا يستطيع رغم أنه رجل لامع جدا أن يفعل بدون أغلبية الثلثين ، كل هذا إذا  لم تحدث المفاجأة بتعيين حزب قلب تونس ، الذي سيدعى غالبا لتشكيل الحكومة في حالة حصوله على أغلبية نسبية ، لا بسيطة ولا موصوفة ، تعيين نبيل القروي لتولي رئاسة الحكومة ، فيضع السلطة القضائية والطبقة السياسية كلها في حيص بيص ، والذين تحدثت معهم في هذا الشأن وكلهم من كبار القانونيين ، يرفعون أيديهم ، مرددين : دعها تقع ، وبعدها "يحلها ربي ".هذا بالنسبة لانتخابات بعد غد أو اليوم الموالي.
**
أما الانتخابات الرئاسية التي تأتي بعد أسبوع ، فإنها لن تضع ، إشكالا مباشرا ، ولكنها ستضع إشكالات من نوع آخر.
فالمؤكد اليوم أن صندوق الإقتراع سيفضي إلى انتصار معزز لقيس سعيد ، بات هذا من تحصيل الحاصل ، ولا مندوحة من الاعتراف بنتيجة الصندوق،  ولكن لا بد من الوقوف أمام ثلاثة أو أربعة حقائق كل واحدة منها صادمة :
أولاها : أن هذه الانتخابات الرئاسية وإن كانت شرعية في نتائجها ، فلا تبدو وفقا لرجال قانون دستوري تحدثنا معهم إلا موصومة بقلة المشروعية ، légale mais illégitime على أساس أن شرطا أساسيا من شروط نزاهة الانتخابات يتمثل في المساواة وتكافؤ الفرص ، وهو ما لم يتوفرباعتبار أن أحد المترشحين قابع في السجن،/   ولم يتمتع بحقه في التوجه إلى الناس كمنافسه الذي بدا محظوظا، وإذا كان تمني يوسف الشاهد وقادة النهضة ، هو أن لا يدخل نبيل القروي وغيره هذا السباق الرئاسي ، دليل ذلك قانون الاقصاء الذي أجهضه الباجي قائد السبسي ، فإن دخول السجن سواء دخله  القروي عن حق أو عن غير حق ، أصاب العملية الانتخابية الرئاسية من حيث مصداقيتها في مقتل ، وستجابه الشرعية بالمشروعية دوما ، مهما كان من دخول قيس سعيد إلى قصر قرطاج.
ثانيهما أن جبهة عريضة ، من كبار القوم في تونس نادوا بضرورة إطلاق سراح نبيل القروي ، من أجل تكافؤ الفرص في مقدمهم رئيس الجمهورية محمد الناصر وقادة المنظمات الوطنية ذات الوزن المجتمعي الكبير ، وحتى رئيس هيئة الانتخابات نبيل بفون ، غير أن الزمن السياسي  لم يلتق مع الزمن القضائي ، فامتنع القضاء عن إطلاق سراح المرتب ثانيا في الدورة الأولى للانتخابات الرئاسية ، وربما لم يكن القضاء حتى الواقف ، كما يقال في ترجمة حرفية عن الفرنسية ، الذي وضع القروي في السجن بصورة مشكوك في قانونيتها ، لا يريد أن يتلقي أوامر كما اتهم في المرة الأولى.
ثالهما ، على المستوى الدولي ، حيث بدا أن بقاء مرشح جدي في السجن ، مخالف في الأعراف الانتخابية الدولية لما يمكن أن يسمى بالانتخابات النزيهة والشفافة التي لا تشوبها شائبة ، وتلك الأوساط لا يهمها إن كان الدستور في تونس أو القوانين تنبهت إلى هذه المطبات أم لا  ، فهناك قيم ومقاييس يسيرون عليها.
غير أن هذه التطورات التونسية / التونسية يمكن أن تترك ظلالا كثيفة ، على سمعة الديمقراطية في تونس ، وهي الأمر الذي استثمرت فيه كل الجهات الحاكمة على مدى 8 سنوات ، وكان أن وفر لها لا فقط التعاطف والتأييد ، ولكن سخاء غير معهود من المؤسسات المالية الدولية والأوروبية والعربية والافريقية وحتى الوطنية مثل اليابان .
رابعهما : وفي الصميم ، إذا صحت التوقعات وارتقى قيس سعيد إلى رئاسة الجمهورية ، ومرشح قلب تونس إلى رئاسة الحكومة ( الحالة مختلفة إذا جاءت النهضة الأولى في الانتخابات التشريعية) فإن المعايشة  البعض يقول المساكنة la cohabitation    ستكون في منتهى التعقيد ، وسيكون قيس سعيد في الزاوية ، ولن يستطيع شيئا للبرنامج الذي أعلن عنه ، إضافة إلى أن وزارتي الخارجية والدفاع المفروض أن يعين أصحابهما هو شخصيا ، سيجدان أنفسهما رهائن عند حكومة وبرلمان مضاد ، وبيدهما ضبط الميزانية ، واعتماد السخاء أو البخل تجاه الوزارتين ، وبذلك تبدو للعيان محدودية مقتضيات دستور غير واقعي ولم يقرأ حساب هذه التطورات هو دستور 2014 الدي وصف بأنه أحسن دستور ولكنه ظهر بالتجربة غير عملي .