Citation

رأينا صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب، ومن جاء بأفضل من قولنا قبلناه. الإمام الشافعي

الاثنين، 5 أغسطس 2013

الموقف السياسي - انقسام المجتمع

الموقف السياسي - انقسام المجتمع

الموقف السياسي
يكتبه عبد اللطيف الفراتي
إنقسام المجتمع.. إلى أين سيؤدي؟
تونس/ الصواب/ 05/08/2013      
" 365   ألفا كانوا حاضرين في اعتصام الشرعية في القصبة مساء السبت الماضي" هذه هي الحصيلة التي انتهى إليها أحد المدونين ممن كان معروفا بقوميته العربية، ثم انقلب بعد الثورة إلى إخوان مسلمين "، لكن الرقم الأكثر تداولا بين النهضويين هو رقم 200 ألفا، والكثير من تصريحاتهم ووسائل الإعلامهم، تقدم هذا الرقم الأخير، ولكن لنتحدث بموضوعية: إن "أرض قوقل" يقدم تقييما بالمساحات وبالمسافات باعتماد الأقمار الصناعية، يفيد بأن ساحة القصبة أو ما بقي منها بعد أن تم على أطرافها بناء قصر بلدية العاصمة، تبلغ 160 مترا طولا و70 مترا عرضا، أي إن مساحتها تصل إلى ألف و20 مترا مربعا، ولما كانت تلك الساحة محدودة بساحة الحكومة المسيجة منذ ما بعد الثورة بالأسلاك الشائكة، ويمينا بنهج باب المنارة ويسارا بشارع القصبة، وكلاهما من الشوارع الضيقة، فإن للمرء أن يضيف حوالي 200  إلى 400 متر مربع، أي في أحسن التقديرات 1220 إلى 1350 مترا مربعا. وباعتبار أن الإخصائيين في حساب التجمعات الجماهيرية يضعون معدل 3 إلى أربعة أفراد في مثل تلك التجمعات على المتر المربع، وفي أعلى الاحتمالات، فإن الموضوعية تقتضي القول إن الحاضرين كانوا وفي كل الأحوال أقل من 50 ألف شخص،وهو في حد ذاته رقم كبير وهام ليست النهضة في حاجة لتضخيمه لإبراز سيطرتها على جانب من الشارع التونسي، وإن كان ما يقلل من أهميته، تلك الجموع التي نقلتها مجانا من داخل البلاد، على حافلات سواء كانت مكتراة، أو على حساب الدولة أي دافع الضرائب التونسي، ويقلل منها تلك الأقوال والشهادات التي أدلى بها من أدلى ممن تم الاتصال بهم قصد  تعبئتهم بمقابل مادي أو غذائي.
ويذكرني هذا بحادثة تعود إلى سنة 1984 بعد ثورة الخبز، فقد جمعني أيامها بالسيد محمد مزالي الوزير الأول آنذاك بعد أن خرج من أزمة تلك الثورة منتصرا على إدريس قيقة، فقد قال لي يومها: هل رأيت مدى شعبيتي ففي كل سبت أنتقل إلى ضاحية من ضواحي العاصمة، فتأتي الجماهير لتأييدي بالألوف وتمتد لي الأيدي، فقلت له ما أغضبه يومها: هل تعتقد سي محمد أنهم يأتون عن طواعية وللتأييد، تأتي بهم حافلات مع كسكروت  و5 دنانير، ثم تتركهم لحالهم  وليس معهم من المال ليعودوا به لديارهم، ولقد كررت عليه هذا الكلام بعد ذلك بحضور السيدين محمد بن الحاج عمر والطاهر بوسمة في بيت أحد أبنائه في ضاحية رياض الأندلس بعد عودته من المنفى.
وإذ أغلق القوس فلأتحدث وبالمقابل ومن الجهة الأخرى  عن المنافحين  المطالبين بحل الحكومة والمجلس التأسيسي، والمعتصمين في باردو، الذين  لم ينجحوا فيما رأينا وما سمعنا في تعبئة أكثر من ذلك العدد، فقط فإن قوتهم تأتي من أن  حركتهم متواصلة مصممة، بعد 8 أيام أو تسعة من انطلاقها.
ما يعني أن انقساما حصل في المجتمع، يسأل كل العقلاء الله أن لا يتحول إلى مواجهة عنيفة.
الفارق الوحيد أن المنافحين لحل الحكومة والمجلس التأسيسي وقيام حكومة محايدة من وجوه لا تنتمي لعوالم السياسة، يبدون في حالة هجوم، فيما النهضة والمدافعين عن "الشرعية" يبدون في حالة دفاع، ويدعون للتحاور، دون أن يتنازلوا عن شيء في مواقعهم، فهم يريدون أن يحافظوا على سيطرتهم على مفاصل الدولة، ولا يبدو أن هناك أي استعداد منهم لتقديم تنازلات، هم أول من يعرف أن تقديمها يؤدي بهم إلى فقدان مواقع مهمة قد لا يتسنى لهم استرجاعها، ويعرفون جيدا أنهم إذا قدموا التنازلات المطلوبة فإن الانتخابات المقبلة  ستجعل الأوضاع  تفلت من أيديهم وربما نهائيا، أما مناوئوهم فإنهم بإدراكهم نقطة الخوف القاتل  لدى خصومهم، يسعون لتقديم بيادقهم مهما كان الثمن لتحقيق ذلك، وهم يحققون ذلك شيئا فشيئا ويوما بعد يوم في تصميم غريب.
بالتالي فإن القضية في النهاية هي قضية وجود، ودائما فإن القضايا الوجودية هي أعسر القضايا على الحل.
النهضة تدرك أن الطفرة التي مكنتها من أغلبية نسبية في المجلس التأسيسي قد ولى عهدها، وقد دلت آخر استطلاعات الرأي التي تولتها مؤسسة زمردة ( إيمرود) في ضوء آخر التطورات على الساحة السياسية، بعد اغتيال الشهيد الحاج محمد البراهيمي ، عن تدني كبير في شعبية رئيس الحكومة، وعلى خطورة ذلك فإن الخطر الأكبر هو المتمثل في انهيار شعبية حركة النهضة، وبعد أن كانت تلك الشعبية تمثل أكثر من 19 في المائة في الشهر قبل الماضي نزلت إلى..... ما أقل من 13 في المائة آخر شهر تموز يوليو، وهو ما يتفق مع استطلاع للرأي تولته مؤسسة بريطانية في البلاد، يفيد بأن حظ النهضة في الانتخابات لو حصلت اليوم يتراوح بين 12 و13 في المائة، ووفقا لمؤسسة "إيمرود" فإن حركة نداء تونس ولو تراجعت فإنها حافظت على نسبة شعبية تتجاوز 20 في المائة (23 في المائة وفق  الشهر قبل الماضي، علما وأن النهضة كانت حازت في انتخابات المجلس التأسيسي على 37 في المائة من الأصوات.
من هنا يمكن للمرء أن يتفهم كيف إن النهضة ستتمسك ما أمكنها التمسك، بحكومة العريض، وإن تم القبول باحتمالات تعديلها، وبالتالي بقاء الأمر على حاله، من تمكن من مفاصل الدولة ، سيساعدها في أي انتخابات مقبلة، ومن حفاظ على روابطها التي ستمكنها من إرهاب الآخرين فتضمن نتائج الانتخابات، هذا هو موقف النهضة فهل سيقبل الآخرون بذلك ويتراجعون.
لنحاول أن نتطرق إلى ما هو أبعد:
النهضة اليوم لها حلفاء يمكن اعتماد ولائهم، أولهم حزب المؤتمر وحزب التكتل( المشكوك اليوم في ولئه المحتمل مستقبلا)، وكلاهما اليوم لا يستطيع الانفصال عن النهضة، لأن كلا منهما في الدرك الأسفل من الشعبية والقدرة على استقطاب الناخبين، وهما يعرفان أنهما كليهما بدون عطاء النهضة فقد انتهيا من الصورة تماما، وهناك مجموعة أخرى من الأقمار تدور في فلكه النهضة  إن قريبا أو بعيدا، وفي ما عد الوطني الحر لسليم الرياحي فإن كل الأحزاب الأخرى الثمانية عشرة الموقعة في الأيام الأخيرة، لم تعد تمثل شيئا على الخارطة الانتخابية، وسليم الرياحي هو أول من يعرف أن الاقتراب أكثر من  اللزوم من النهضة سيحرقه، وأن الابتعاد كثيرا عنها سيصيبه ببرد مجمد، ولذلك فهو يسعى لنوع من التوازن غير المستقر، الذي لا يمكن أن يحافظ عليه طويلا، اللافت للنظر أن الجبهة الشعبية تبدو في تصاعد مستمر، ألم تفقد اثنين من أبرز مناضليها في عمليات اغتيال ، كان لها أثرها في تآكل شعبية النهضة، إلا أن اللافت أيضا أن الجمهوري على ما حصل فيه من نزيف كوادره، يسجل هو الآخر تسلقا ليس كبيرا ولكن مهما يجعله الحزب الرابع ترتيبا.
كل هذا يطرح تساؤلا، أمام هذه المواجهة وإصرار كل طرف على مواقفه.
 إلى أين سيصل هذا الوضع ، هل إلى تهدئة في آخر لحظة وعلى أي أساس، أم إلى مواجهة عنيفة، لا قبل للبلاد بها، ولكنها آتية لا ريب فيها إن لم يتنازل أحد الطرفين ولو جزئيا أو كلا الطرفين حفاظا على السلم الأهلي.
وإذ يبدو الأمر قضية وجود ، فكيف يمكن للمرء أن يتصور النهضة تتنازل، بما يمكن أن يسحب منها السلطة، ولكن وأيضا فإن الطرف المقابل ،وقد وجد الطريقة التي يمكنه بها لأول مرة، أن يضع النهضة في الزاوية بدون احتمالات مخرج ممكن، أن يفوت على نفسه الفرصة لزيادة محاصرتها ونيل الأقصى من تلك المحاصرة.
علم السياسة يقول إنه لا بد أن تترك للخصم مخرجا ينفذ منه، وإلا فإنه سيتصرف كالحيوان الجريح، والنهضة اليوم في حاجة إلى القيام بالخطوة الأولى أي القبول بمقترحات الإتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة حتى يمكنها أن تنقذ ما يمكن إنقاذه.
بدون ذلك يخشى من أن البلاد تسير نحو مأزق ، ودعنا نقول إلى احتمالات كبيرة لما لا يحمد عقباه.
وتبقى القضية الآن قضية حفاظ على ماء الوجه، كيف يمكن لخصوم النهضة أن يحافظوا  لها على ماء وجهها  ، وأن تصدر عنهم طمأنة  ما، بعدم الإقصاء أو الانتقام، وهم الذين كانوا ضحية لمحاولات الاقصاء من طرفها.

قرأت لكم - الحقيقة حول المليونية التي نظمتها النهضة

قرأت لكم  - الحقيقة حول المليونية التي نظمتها النهضة

قرأت لكم

تونس/ 05/2013
لعل  الأهم والأكثر موضوعية  بشأن عدد المشاركين في مليونية الشرعية التي نظمتها حركة النهضة السبت الماضي 03/08/2013 ما قرأته على موقع "نواة" بهذا الشأن ، وإذ أتولى نقله عن مصدره فللموقع اعتذاري لعدم التمكن مسبقا من طلب ترخيص من مسؤولي الموقع قبل النشر، ولكن عذري أن المقال نشر على نطاق واسع على الفايس بوك ، وفي ما يلي المقال، أما الصور فقد ارتأيت نشرها في آخر المقال لا في أماكنها منه بسبب قلة خبرتي في التعامل مع فنون الكومبيوتر.



Bataille de chiffres sur la “meliounya” : Que disent les mathématiques ?
Politics Malek Khadhraoui › Aug 5, 13 › 0 comments
المكان الأصلي للصورة الأولى
Manifestation pour “la légitimité” place de Kasbah, samedi 3 août 2013. Le nombre de manifestants à fait l’objet d’une bataille de chiffres. Source imae : Page officielle du Parti Ennahdha.
Avec les manifestations et les sit-in qui s’enchaînent depuis l’assassinat le 25 juillet du leader de gauche Mohamed Brahmi, la guerre sur le nombre des manifestants fait rage.
Dernière bataille en date : celle sur le nombre de manifestants présents samedi soir 3 août à la Kasbah pour la “meliounya” (mot désignant une manifestation d’un million de personnes) pour “la légitimité”, organisée par le Parti Ennahdha.
Entre les chiffres des organisateurs, ceux de la police et ceux des opposants à cette manifestation, les écarts sont très importants.
La bataille des chiffres
Les pages Facebook proches du parti Ennahdha sont restées très prudentes sur les chiffres, mais parlent de plusieurs milliers de personnes. En fin de soirée, le parti revendique quelque 200 000 manifestants rassemblés place de la Kasbah, pour défendre sa légitimité au pouvoir et dénoncer les violences politiques. Dans une envolée lyrique, Rached Ghannouchi, leader du parti, visiblement satisfait de la mobilisation, a même comparé ce rassemblement à la conquête de la Mecque par le prophète Mohamed.
Côté police, rien d’officiel. Plusieurs médias ont publié via des sources policières des estimations qui varient entre 30 000 pour le site Businessnews et 90 000 sur le site Tuniscope. Ce dernier s’est même essayé à un calcul mathématique, estimant les manifestants en fonction de la superficie de la place de la Kasbah. Il en conclut que la place ne pouvait pas contenir plus de 44 000 personnes, avec une densité de 4 personnes au mètre carré.

Pour Businessnews, ils n’étaient pas plus que 15 000 personnes, chalands compris. Un chiffre invraisemblable, même pour les plus hostiles à Ennahdha, et avec toute la mauvaise foi du monde.
Que disent les mathématiques ?
Pour tenter d’obtenir des chiffres moins « passionnels », le meilleur calcul à faire reste celui entre la surface occupée et la densité supposée au mètre carré. Les spécialistes du comportement des foules estiment entre 1,5 et 3 le nombre de personnes par mètre carré dans une manifestation.
Il peut bien sûr y avoir le double de personnes sur un mètre carré, mais aussi beaucoup moins par endroits en raison des espaces pris par les arbres, bancs publics et autres infrastructures, comme le monument à la mémoire des martyrs qui se trouve au milieu de la place de la Kasbah. Il y a aussi l’espace occupé par l’estrade et le matériel de sonorisation. A cela, on peut ajouter les rues alentours comme une extension de la place.

En se basant sur les images de la couverture médiatique de la manifestation, il est possible d’établir un périmètre dans lequel les manifestants se sont regroupés. Avec un outil commeGoogle Planimeter, on peut alors calculer la superficie de l’espace déterminé en se basant sur le service de cartographie de Google.
المكان الأصلي للصورة الثانية
Carte générée par Google Planimeter.
Comme on le voit sur cette image, la superficie couverte par les manifestants à la Kasbah est d’environ 23 650 m². C’est une estimation large, puisqu’on a intégré la rue du 20 mars et la petite place entre l’esplanade de la Kasbah et la place du gouvernement.
http://nawaat.org/portail/logo.pngCe qui amènerait à un chiffrage de 35 475 manifestants dans la fourchette basse, et 70 950 dans la fourchette haute. On peut affiner ces chiffres en se basant sur le témoignage de nos reporters sur place, qui parlent d’une densité élevée près de l’estrade, et moyenne voire faible au fur et à mesure qu’on s’en éloigne. L’estimation la plus juste serait donc de 50 000 manifestants, en se basant sur une densité de 2 personnes par mettre carré.
Bien évidemment, ces chiffres représentent le nombre de manifestants présents à un moment donné, et ne prennent pas en compte le flux des manifestants qui quittent la place et de ceux qui la rejoignent.
Sans qu’ils aient à rougir de l’affluence, samedi dernier, à la place de Kasbah, on est loin du million espéré par Ennahdha pour la “meliounya de la légitimité”. Avec le bras de fer qui continue depuis plus d’une semaine au Bardo, le parti est-il capable de mobiliser autant de manifestants sur une longue durée ?
Pour l’instant, l’affluence au Bardo des pro-légitimité reste modeste, comparée auxmanifestations pour la chute de l’assemblée et du gouvernement. Entre 4 000 et 6 000 personnes au moment le plus fort de leur présence. Deux à trois fois plus coté sit-ineurs.
Une infériorité numérique qui risque de s’aggraver demain soir, 6 août, avec les appels à la commémoration de l’assassinat de Chokri Belaid.


الخميس، 1 أغسطس 2013

بكل هدوء - فضيحة مدوية

بكل هدوء
يكتبها عبد اللطيف الفراتي
فضيحة مدوية
تونس/ الصواب/01/08/2013
قبل أيام قليلة، وبالصدفة شاهدت كاتب الدولة السابق في وزارة الشؤون الخارجية ، التهامي العبدولي، وبالمناسبة أتمنى عليه أن يصحح كتابة اسمه ، وهو رجل بدا لي على ثقافة عالية جدا، مما زاد في إيماني بالكفاءات التونسية في كل مجال وفي وزارة الشؤون الخارجية  بالذات حيث الفارق بينه وبين من تولى الوزارة من هذه الناحية، كما هو الفارق بين السماء والأرض.
فاسمه مشتق من تهامة ولذلك فإن حرف الواو دخيل عليه.
لكن هذا ليس موضوعنا، وموضوعنا اليوم ،هو من الخطورة الكبرى ما يرقى إلى فضيحة بجلاجل ، على رأي إخوتنا المشارقة.
ويعود بنا كاتب الدولة وهو محدث جيد، له قدرة على التركيز كبيرة، إلى ذلك اليوم من شهر سبتمبر من العام المنقضي يوم " غزوة السفارة الأمريكية".
يومها كان كاتب الدولة وحده على ما يقول في وزارة الخارجية ، ولذلك فإن المقود كان بيده بالنسبة للشأن الخارجي، وكان بطبيعة صلاحيات العلاقات الخارجية المتمركزة بيد رئيس الدولة، مع التشاور مع رئيس الحكومة، على اتصال مباشر برئاسة الجمهورية.
ويبدو أن العبدولي الذي شعر بخطورة الأمر، بحسه الدبلوماسي العميق، وباعتبار أهمية  معنى "الحصانة السياسية والدبلوماسية" لمقرات السفارات، extra-territorialité ، باعتبارها أرضا معتبرة أجنبية داخل حدود بلد معين، فإنه انتقل وفق ما يقول على عين المكان، ملاحظا أنه شعر بخطورة ودقة الوضع، نتيجة التحريض الذي سبق تلك المناسبة ، على خلفية النيل من النبي صلى الله عليه وسلم، وهو تحريض شارك فيه  وتقدم صفوفه ، وزير من الحكومة لم يسمه، ولكن 10 ممن استمعوا إليه، سألتهم ووجدت أنهم  أدركوا من هو، وانتهوا إلى ما انتهيت إليه من استنتاج، وأترك للقارئ عناية استنتاجه، وإذ لعب كاتب الدولة  يومها  كمسؤول يتمتع بروح عالية من المسؤولية، ويدرك المعاني العميقة لعلاقات الدول أولا تبعا لطبيعة الأخلاق السلوكية ، وثانيا للاعتبارات المصلحية، دورا في التنبيه خاصة بالنسبة للرئاسة بخطورة ما يحدث، فإنه يضيف أن مجموعة من الحافلات كانت مصطفة بمن نقلت المتظاهرين، مضيفا أنه سأل اثنين من سائقيها، ظهر أن واحدا منهم قال له إن الحافلة جاءت من المحرس، وأن الثانية جاءت من صفاقس ، وأنها تحمل أرقام وزارة معينة هو الرقم 15، ولعلكم ستكتشفون من من الوزارات مختص بهذا الرقم.
وإذ قدم معلومات أخرى لا نريد أن نوردها، فإن العودة إلى عدد من المواقع التي تبث ما سبق من برامج، كفيل بإعطاء القارئ كل التفاصيل، التي تحمل جهة ما، المسؤولية لا فقط السياسية بل الجزائية لتلك "الغزوة" التي كم أضرت بسمعة بلد ، حرص على مدى التاريخ ، على التعامل بحضارية مع الممثليات الأجنبية، فكانت تلك فضيحة مدوية، تماما كفضيحة تسليم البغدادي المحمودي ، المنافية لكل التقاليد المرعية في حماية اللاجئين السياسيين حتى منذ عهد النبي في ما كان يسمى بالإجارة، فكان لا يتم تسليم من يلجئون.
ولكم لنا أن نتساءل كيف آل إليه الوضع في هذا العهد، غير المعهود، في بلد اشتهر بسلوكه الحضاري، وتخلى عنه  اليوم ، وبات شبيها بأي دولة من الدول التي لا عهد لها ولا ميثاق.

سانحة - صيحة فزع

سانحة
يكتبها عبد اللطيف الفراتي
صيحة فزع
تونس / الصواب /01/08/2013
يبدو وكأن السلطة القائمة مستمرة على تعنتها، رانية إلى البقاء في مناصبها، معتقدة أنها تمسك بحقيقة القرار في هذه البلاد، فيما تتردد في مختلف الجهات الحكومية، بما في ذلك رئاسة الحكومة، أن الأمر بلغ غاية الانفلات، في وقت تتهدد فيه البلاد أخطار محدقة، تحتاج إلى من يمسك بالمقاليد ويوقف جموح وضع أصبح خارجا عن السيطرة.
والحكومة القائمة اليوم برئاسة على العريض، تبدو أنها شاعرة بأن الواقع تجاوزها، ما يستفاد من قول المستشار السياسي الناطق الرسمي نورالدين البحيري، ما معناه أنها تواصل أداء دورها حتى قيام حكومة أخرى.
الاستنتاج الطبيعي إذن أن الحكومة شاعرة بأنها على أهبة الخروج، وأنها فقط تنتظر الإشارة، أكيد من مجلس الشورى للنهضة، الذي يحكم البلاد فعلا دون أن يكون ، مسؤولا رسميا لذلك.
في الأثناء وإزاء وضع يشهد فراغا فعليا في السلطة، وإن لم يقع الاعتراف به عمليا، فإن قضيتين حارقتين على الأقل  تشغلان البال، وتتهددان الدولة في وجودها وفي توازناتها وهما:
أولا : القضية الأمنية ، فبعد ساعة من فراغ رئيس الحكومة من إلقاء خطابه ، الأخير الذي امتلأ بجرعة كبيرة من الرضا عن النفس لا محل لها من الإعراب ، وبجرعة أخرى من التهديد والوعيد، والذي استنتجت منه القوى السياسية، أنه زعيم من زعماء النهضة، وليس رئيس حكومة لكل التونسيين،  وهو الممثل الأول للدولة في سلطة تفسخ منها دور رئيس الجمهورية وتقزم، إذن بعد ساعة تكاد دقيقة بدقيقة، يصاب التونسيون بفجيعة جديدة، متمثلة في سقوط 8 من ضباط وجنود هذه البلاد، تحت وابل من رصاص غادر، التقدير الأولي يبرز أنه يحمل توقيع تلك الجهات "التي تبشر بثقافة جديدة" وفقا لأقوال زعيم الحركة، تجاه "جيش غير مضمون".
وفي أي بلد من بلاد العالم، فإن مثل تلك المجزرة وما رافقها ، وبعد تعدد الضحايا وتزايد طول قافلة الشهداء، من لطفي نقض إلى شكري بلعيد ، إلى الحاج محمد البراهمي، إلى محمد المفتي إلى  الشهداء الثمانية من خيرة أبناء الجيش الوطني  ومن قواته الخاصة بالذات وغيرهم، تفضي بالنتيجة الطبيعية إلى استقالة الحكومة ، والتوجه لتشكيل حكومة، أولا تتمتع بالكفاءة والقدرة ، وثانيا تتمتع بالقدرة على مواجهة واقع أفلتت عناصره من بين يدي الحكومة الحالية ، إن ما زالت قائمة فعلا، و خاصة وأن المطالبة كبيرة  بصرفها، كما تدل على ذلك الاعتصامات الشعبية الكبيرة واليومية..
ثانيا : المأزق الاقتصادي، فرئيس الحكومة الذي تولى تقديم خطابين متلاحقين لا تفصلهما عن بعضهما إلا أيام قليلة، إن لن نقل ساعات قليلة، حاول فيهما أن يطمئن على وضع اقتصادي قال إنه يتدرج نحو التحسن، وقدم أرقاما خارج نطاق سياقاتها، فلم يعلن أن نسبة النمو المتوقعة للعام الحالي باعتبار ما تنتظره الجهات الدولية المحايدة والبنك المركزي ، سوف تكون بين 0 و1 في المائة لا 3.5 في المائة،  ، ولم يشر إلى نسبة تضخم تآكلت معها الطاقة الشرائية للمواطن، ولم ينبه إلى أن 4 مؤسسات للترقيم السيادي ماضية لليومين أو الثلاثة المقبلة، إلى احتمالات النزول إلى س س ناقص، أي إلى أسوء الأحوال ، بحيث لن تعود لتونس مطلقا لا  قدرة التوجه إلى المقرضين ثنائيا ولا لمقرضين في إطار التعاون المتعدد الأطراف، وأنها مهددة حتى بعدم دفع القسط الثاني من القرض الممنوح من صندوق النقد الدولي، ومبلغه الجملي أكثر من مليار و700 مليون دولار، ولا تسال عن قيمته بالدينار ، فهو يواصل الزحف إلى الهاوية، ما يعني أن تونس ولأول مرة في تاريخها الحديث مهددة بالتوقف عن الإيفاء بالتزاماتها، وهي في حالة حصولها ضربة قاضية لسمعتها.
ووراء هذا التوقف المحتمل عن دفع القسط الثاني بعد قسط أول تم سحبه ويبلغ حوالي 160 مليون دولار، عدم قدرة الحكومة القائمة الإيفاء بالتزاماتها التي تضمنها شروط اتفاق هذا القرض ومنها اتخاذ قرارات تقشفية، تخشى النهضة أن تقضي على آمالها في أي انتخابات مقبلة باعتبار رد الفعل الشعبي بعد البدء برفع جانب مهم من الدعم، وأيضا توضيح مشهد سياسي يتسم بالضبابية وعدم اتضاح الرؤيا ، وحتى ما أعلن عنه رئيس الحكومة من إجراء للانتخابات في 17 كانون الأول ديسمبر المقبل لم يقنع أحدا في غياب دستور وهيئة انتخابات وقانون انتخابي ،  أضف إلى ذلك الشروط الاقتصادية والمؤشرات التي تزداد سوء ، ولا تبدو أن هناك رغبة وربما قدرة على معالجتها.
من هنا فإن كل يوم تطيل فيه هذه الحكومة بقاءها، دون قدرة حقيقية على الحركة، يزيد من تعميق الأزمة، ما يدعو إلى إطلاق صيحة فزع مدوية، لتستيقظ الضمائر، ويعود لها الإدراك بأنها ليست فقط جزء من الأزمة ، بل هي سببها الرئيسي ، وعليها أن تترك مكانها لمن يستطيع أن يحاول فعل شيء، وهي بقدر ما تطيل وجودها بقدر ما تتحمل مسؤولية لا فشلها فذلك حاصل، ولكن دفع البلاد إلى الإفلاس.

اقتصاديات - مقالي في مجلة أسواق أكبر المجلات الاقتصادية في العالم العربي

اقتصاديات 
اقتصاديات






الأحد، 28 يوليو 2013

الموقف السياسي - الترويكا في عين الإعصار، فهل حل موعد الرحيل؟

الموقف السياسي
يكتبه عبد اللطيف الفراتي
الترويكا في عين الإعصار
وليس لها من حل إلا الرحيل أو..
تونس/ الصواب/27/07/2013
إذا جاز أن نتحدث عن الترويكا، فإنها اليوم تبدو في عين الإعصار.
نقول إن جاز ذلك، لأن الواقع السياسي منذ كانون الثاني يناير 2012 ، ينبئنا أنه ليس هناك ترويكا  ولا هم يحزنون، وأن النهضة هي الحزب الحاكم والحاكم وحده، وأن "الحزبين" المؤتلفين معها، كانا في أحسن الأحوال لا أكثر من أفراد كومبارس، لا حول ولا قوة لهما، نالا مناصب يمكن مجازا أن تعتبر عالية ، ولكن خالية من التأثير.
وبدا عن حق أو باطل  للكثير من التونسيين أنهما في تلك الصفقة قد باعا مبادئهما، وتحولا إلى تابعين لا أكثر ولا أقل، ونالا مقابل ذلك، منصبا لرئاسة الجمهورية فارغا من كل محتوى، ومنصبا لرئاسة المجلس التأسيسي ليس له من حول ولا طول، باعتبار أنه منصب خضع لأغلبية نسبية للنهضة، تحكمت بالمؤتمر والتكتل، الحريصين على المناصب أكثر من حرصهما على أن تكون لهما كلمة مسموعة، كما هي العادة عند عقد التحالفات الحكومية في الديمقراطيات الحقيقية الفعلية، ولنا مثال لذلك اليوم في بريطانيا وفي ألمانيا.
إذن وببضعة مناصب لا معنى ولا وزن لها كرئاسات مفرغة، ووزارات ثانوية وكتابات دولة مركونة تحت سلطة وزراء نهضويين أقوياء يجمعون كل الخيوط، قبل التكتل والمؤتمر أن يبتلعا كل الثعابين ، ويصطفا تحت رغبة "نهضة" استقر لها حكم مطلق ، كما يكون الأمر في أحكام الإطلاق كما وصفها بن أبي الضياف في كتابه الشهير"إتحاف أهل الزمان".
وعلى مدى عام وسبعة أشهر انتظر مناضلو الحزبين، أن "ترتجف" القيادتين بمعنى الاستفاقة والتحرك، ولكن لا من منادي، وغلب التشبث بالكراسي على كل شيء آخر، ولو ذهبت البلاد في داهية. واليوم جاءت ساعة الحساب.
استولت النهضة، على الولايات والمعتمديات، استولت على الإدارات العامة في الوظيفة العمومية، استولت على رئاسات الشركات الوطنية، استولت على السفارات، وتركت الفتات لحزبين كان الهم الأكبر لهما، البقاء في مناصب رئاسية مفرغة، ووزارات معينة لا هي في العير ولا في النفير، وبشخصيات غالبها تنقصها الكفاءة، والخبرة، والقدرة، تماما كما هو شأن غالب وزراء النهضة.
وأعفي رجال كانوا في قمة العطاء وركنوا على الرف رغم خبرتهم وكفاءتهم، المشهود بها  في بعض الأحيان دوليا، وتم تجاوز القانون بفظاظة في تعيين الولاة، وهو قانون تم احترام مقتضياته على مدى أكثر من 50 سنة، وبات الانتماء للنهضة هو المقياس الأوحد للتعيين.
من هنا فإن مسؤولية الحزبين الاثنين، أو ما بقي منهما، فقد أصبح كليهما شبحا لما كانا عليه في 23 تشرين الأول أكتوبر 2011، بالإضافة إلى  أن ما كانا عليه في تلك الفترة  لم يكن لا كبير أو مؤثر، وأن أحدهما اعتمد في مرشحيه على استلاف نهضويين عرفوا بنهضويتهم منذ سنوات طويلة، حسبوا خاصة على المؤتمر، فيما ولاؤهم للنهضة والنهضة وحدها.
هذا ما أوصل البلاد، إلى أن تضع النهضة  يدها ليس فقط على مقدرات البلاد، ولكن أيضا على مفاصل الدولة ، بتواطئ  دعنا نقول إنه "مجرم" من منصف المرزوقي ومصطفى بن جعفر.
رجلان سيحاسبهما التونسيون، حالا، ولكن أيضا سيحاسبهما التاريخ على مساهمتهما فيما وصلت إليه البلاد حاليا من عنق زجاجة ضيق، لا مخرج منه، وما يتمنى المرء هو أن لا يكون ذلك المخرج بسيل من الدماء.
**
 هذه الوضعية التي كانت عليها البلاد عند منتصف النهار من يوم الخميس 25 تموز يوليو 2013عندما انطلقت 14 رصاصة في جسم رجل عرف بدماثة الأخلاق، الحاج محمد البراهمي نائب في المجلس التأسيسي زعيم حزب ورجل ذو قرار في تحلف حزبي هو الثالث في الأهمية في البلاد، أصيل سيدي بوزيد التي أطلقت ثورة ستكون مرجعيتها الدولية تاريخية.
الأمر قبل تلك اللحظة وبعد تلك اللحظة ليس متماثلا.
ابتلع التونسيون قول الحبيب بن خذر:"سنبقى على قلوبكم"
ابتلع التونسيون أيضا: قول الصحبي عتيق الذي أعلن أن"معارضي الشرعية سيسحقون بالأقدام" وأكثر من ذلك مما يوحي بالقتل.
ولكنهم هذه المرة لم يستطيعوا ( التونسيين) أن يبتلعوا المرور إلى الفعل، باغتيال محمد البراهمي ، 6 أشهر يكاد يوما بيوم بعد اغتيال رجل سياسي آخر هو شكري بلعيد، 9 أشهر بعد سحل مناضل سياسي آخر هو لطفي نقض.
الاستنتاج الذي خرج به التونسيون أو جانبا كبيرا منهم لأن التعميم الشامل غير جائز، أن المعارضين ليسوا في أمان في هذا البلد الآمن، الذي لم يعرف في تاريخه الحديث الاغتيال كأداة للتعامل السياسي.
 هذا الاستنتاج الأول أفضى باستقراء الواقع المعاش إلى استنتاج ثان، يقوم على قاعدة سياسية معروفة، في كل بلاد الدنيا حتى تلك التي لا تقوم فيها ديمقراطية، وهي أن الحكومة التي لا تقدر بل تعجز عن تأمين حياة أبنائها عليها أن ترحل.
طبعا الحكومات لا تقدر دوما على دفع ما يخبئه القدر، ولكنها تعتبر مسؤولة، وكل التجارب تدل على أنها لا بد في مثل هذه الأحوال أن ترحل.
لنعطي كمثل على ذلك، بمناسبة المؤامرة التي حيكت في سنة 1962، وكانت تستهدف تقويض النظام القائم، وحياة بورقيبة، دفع الثمن مدير الأمن آنذاك إدريس قيقة، فعزل في ظروف قاسية، وتردد أن بورقيبة وقتها سعى إلى عزل وزير الداخلية الطيب المهيري، إلا أن اللقمة كانت أكبر من أن يستطيع ابتلاعها، فتراجع عن ذلك تحت ضغط الرجل وزملائه في الديوان السياسي.
في سنة 1967 وبعد أحداث يوم 5 حزيران يونيو 1967، بعد اندلاع حرب  حزيران يونيو،  دفع مدير الأمن العام آنذاك فؤاد المبزع الثمن ، وكاد يدفع الثمن معه يومها الباجي قائد السبسي وزير الداخلية وكان وقتها تحت حماية أحمد بن صالح الرجل القوي في السلطة، ولكن رفاق بورقيبة منعوه من أن يقدم على تلك الخطوة.
مباشرة بعد الهجوم على "قفصة" في كانون الثاني يناير  1980، تم عزل زين العابدين بن علي من الإدارة العامة للأمن الوطني، وأرسل سفيرا في بولونيا،  وتم عزل وزير الداخلية عثمان كشريد ، بينما أصيب  رئيس الحكومة الهادي نويرة بالفالج وغادر منصبه.
  وفي شهر كانون الثاني يناير 1984، وبعد ثورة الخبز، تمت التضحية مرة أخرى بإدريس قيقة ، وزير الداخلية آنذاك ، وكاد أن يصل الأمر إلى رئيس الحكومة محمد مزالي ، الذي تم الاحتفاظ به سنتين عزل بعدهما في سنة  1986 وفقد فيهما الغالب من صلاحياته بين فترة تلك الثورة وفترة عزله.
بعد اغتيال شكري بلعيد في 6 شباط فبراير 2013  وما بالعهد من قدم ، تحمل حمادي الجبالي رئيس الحكومة ما أسماه بالفشل وذهبت حكومته ، واستنتج أن عليه إما أن تطلق يده في تشكيل حكومة كفاءات أو أن يذهب.
 وذهب غير قابل باستمرار تجربة حكومة محاصصة حزبية، لا تعتمد كفاءات تكنوقراطية قادرة على تسيير ما بقي من المرحلة الإنتقالية.
إذن الطبيعي في مثل هذه الأحوال، إما أن يذهب الوزير المناط بعهدته أمر أمن المواطنين، أو الحكومة بأكملها باعتبار خطورة الحالة.
**
وسقطت الحكومة ..
سال الدم وانسكب فروى أرض تونس.
أمر لا ينبغي الاستهانة به.
أمر لا يمكن أن يمر هكذا.
أمر انقبضت له قلوب التونسيين أغلبهم حتى لا نقول كلهم، وكادت أن تنفطر.
إلا مجموعة ممن فقدوا الإحساس الإنساني، ذلك طبيعي وهو أمر يهمهم، ولكنهم فقدوا أيضا الحس السياسي وهذا يهم بلدا بكامله بكل فئاته، إلا من يقفون معهم إما تأييدا أعمى، أو طمعا.
هكذا يمكن للمرء أن يلخص ما تمر به تونس هذه الأيام.
للمرة الثانية في ستة أشهر يتم فيها اغتيال زعيم وطني، رميا بالرصاص في واضحة النهار وفي أحياء مأهولة، للمرة الرابعة منذ قدوم النهضة للحكم وتوابعها، ممن لا وزن لها، مجرد زوائد دودية بقيت أو استؤصلت لا فائدة لها ولا مضرة من إزالتها. ابتلعت كل الثعابين التي تم تقديمها لها، وانتهت إلى مجرد اللهاث وراء كراسي تتشبث بها بلا أدنى شعور بالكرامة، تشهد على ذلك ديباجة الدستور المقترح، والفصل 141، والأحكام الانتقالية، وهي تسمي نفسها أحزاب مدنية إن لم تقل لائكية.
والحكومة القائمة استقالت أو لم تستقل، سقطت بحكم عناصر عديدة:
أولا: أن الدم الذي انفجر من شرايين محمد البراهيمي، ليس ماء، وأن مسؤوليته تقع على عاتق الحكومة،  والمقصود ليس الحكومة في القصبة ولكن توابعها في قصر قرطاج وفي باردو ،وأي حكومة قائمة في العالم وبعد حالة (لا أريد وأخجل من  أن أقول حادثة كما قال الوزير بن حميدان الذي فقد هو الآخر الحس الإنساني والحس السياسي) مثل هذه الحكومة لا بد أن تذهب وترحل، إذا لم يكن همهم أي أعضاؤها  منصبا، إن لم يكن أخطر من ذلك بالاستقرار إلى ما لا حد له في الحكم، واعتبار أن النجاح ، ولو بأغلبية نسبية في انتخابات سابقة  هو تذكرة ذهاب بلا عودة، والبقاء المؤبد في السلطة.
ولعل السيطرة على مفاصل الدولة عبر تسميات في غالبها نهضاوية  وفتات منها لأحزاب "الائتلاف"، في زمن فترة انتقالية هو دليل قرار بالبقاء المستمر.
 ألم يقل شيخهم بأنهم سينجحون في الانتخابات المقبلة وفي الانتخابات الموالية ومن يدري لعله يريد أن يكرر تجربة بورقيبة وتجربة بن علي.
ثانيا: لأنها حكومة فاشلة كسابقتها التي اعترف رئيسها بفشلها في لحظة مصارحة للشعب لاتتكرر كثيرا، ولعل أبرز مظاهر الفشل يتمثل في هذه الاغتيالات المتكررة، هذا الداعية القلال ، وهذا السياسي لطفي نقض، وهذا الزعيم بلعيد، وهذا النائب في التأسيسي البراهمي، ومن يدري الدور على من في المرة المقبلة؟ ولا من يقظة من نوم عميق.
ثالثا: لأنها حكومة لا تحترم وعودها وتعهداتها، لا الانتخابية فقط، التي أطلقتها بمناسبة الحملة الانتخابية، والتي طال عليها العهد، ولكن حتى تلك التي جاءت في خطاب التنصيب والقسم، والتي كان قوامها أربعة وعود لم تحقق منها شيئا.
رابعا: آخرا وليس أخيرا لأنه بات واضحا أنها لا تدرك معنى للفعل السياسي، وهي تبدو خارج الواقع وخارج التاريخ وخارج المستقبل.
**
إذن لا تنتظروا سقوطها، فهي سقطت فعليا,و لو بقيت في القصبة، ولو بقيت في قرطاج ، ولو بقيت في باردو سواء بصلاحياتها التأسيسية أو التشريعية-الرقابية، أو التنفيذية بشقيها الرئاسي أو الحكومي.
والتعامل معها لم يعد تعاملا موضوعيا بل فقط تعاملا م واقعيا بما يقتضيه التعامل لا غير.
وهي إن أصرت على البقاء، وهذا المتوقع منها بفروعها كلها، لأنها لا تتمتع بإدراك سياسي، وتعرف أنها لو خرجت من الحكم وقد خرجت فعلا، فإن الناس تم تطعيمهم وتلقيحهم من إعادة التجربة معهم. سواء كنهضة أو كمؤتمر أو كتكل، هذا إن بقي للأولى قاعدة مثلما كانت قبل عام ونصفا، وإن بقي للمؤتمر والتكتل أي قاعدة شعبية فعلية يعتد بها، بعد أن اكتسحهما التيار، وأصاب منهما تآكل لا قيام لهما بعده.
هذا الاستنتاج منبثق عن استقراء الواقع الحالي، فتجربة الأيام القليلة الماضية، بعد أن عميت الأبصار عن رؤية الواقع، الذي فرض نفسه بعد إطلاق الرصاصات القاتلة الخميس الماضي والقائم على:
-         تعبئة جماهيرية لم يسبق لها مثيل في تونس تذكر مع الفارق النسبي بما حصل في القاهرة في 30 يونيو حزيران الماضي، ويوم 26 تموز يوليو الماضي.
ولقد نبهنا في مقال سابق على أعمدة هذه المدونة، إلى أن على النهضة أساسا أن تتعلم الدرس مما جرى في مصر، وأن لا تستصغره، أو تحتقره، وأن لا تتشبث بشرعية هي بطبيعتها متحركة، ولكنها أصرت على القول أن تونس ليست مصر، كما سبق أن أصر حسني مبارك على أن مصر ليست تونس، وأصر العقيد القذافي على أن ليبيا ليست لا مصر ولا تونس.
-         خطأ خطير في التقدير بشأن الشرعية الانتخابية، فهناك الشرعية الانتخابية ولا شك، ولكن هناك أيضا الشرعية التوافقية ، وأيضا الشرعــــــــــــــــــية التـــــــــــمردية( insurrectionnelle) التي جاء بها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان  ومصادر عديدة أخرى ، وفي تونس نجد أن هذه الشرعية بصدد الوقوف على رجليها على أنقاض الشرعية الإنقلابية، وسيجد الزائر صحبة هذا تذكير آخر بما سبق أن نشرناه حول هذه الشرعية.
-          عدم القدرة على مواجهة التيار الجارف والذي يمكن أن تكون له أساليبه القصيرة المدى عبر الاعتصامات اليومية، والتظاهرات الدورية، والاستقالات الجماعية، وعبر وسائل النضال الأخرى للعصيان المدني السلمي ، مثل الامتناع عن دفع الأداءات، أو كل مستحقات الدولة، بما يخنق الحكومة ومصالحها، ويؤدي سريعا وباعتبار الوضع الحالي الاقتصادي والمالي للكف عن دفع الرواتب، وهو أكبر خطيئة ترتكبها حكومة، وحصولها مدمر وبسرعة.
**
هذا ليس فقط على مستوى الحكومة، ولكن على مستوى سلطات الدولة التنفيذية والتأسيسية، فكيف يستطيع المجلس التأسيسي أن يواصل عمله وقرابة ثلث أعضائه يقاطعونه، وحتى إذا واصل وشرع، وأسس ، فما هي القيمة الواقعية لعمله.
ولعل أغرب الغرائب في هذا الوضع ، هو أن يكون وزراء محترمين ولهم مكانة في المجتمع ودخلوا الحكومات النهضوية المتعاقبة على أنهم من المستقلين، كيف لهم أن يواصلوا احتلال مقاعدهم الوزارية، وقد زالت عنها كل شرعية بل وكل مشروعية ، بمن في ذلك وزير الثقافة، ووزير التعليم، ووزير الداخلية، ووزير العدل، ووزير الخارجية ، ووزير الدفاع وعدد من كتاب الدولة ولقد استغربت في حينه من قبولهم أن يكونوا كتاب دولة وهم من هم وتحت وزراء ليس لهم ماض ولا غير ذلك مما لا نريد أن نعلنه ، وربما أيضا غيرهم من الوزراء الذين لم أذكر، والذين وكل واحد منهم ليس في حاجة ليضيف صفته الوزارية على بطاقته الشخصية، بل هو هو الذي يزين كرسي الوزارة باسمه وعلمه ونزاهته  وتآليفه والأثر الذي طبع به  المجتمع.
**
بعد هذا النهضة هي التي وضعت نفسها في مأزق ، وهي اليوم في عين العاصفة، فهي إما أن تنحني أي تقبل بكل الشروط التي فرضها واقع جديد، لم تحسن كيفية  التعامل معه، كما فعل حمادي الجبالي قبل 6 أشهر، لقصر في النظر، وقلة احترافية سياسية، وعمى مكثف، وفي هذه الحال يمكن أن تحافظ بعكس حليفيها على جملة أوراق للمستقبل، بالتورط في إقامة حكومة إنقاذ وطني، وإنجاز مشروع مجلس وفاقي لاستكمال المرحلة، عبر حل المجلس التأسيسي لنفسه بنفسه  ( se saborder) ، وتتم التوافقات بشأن تركيبة حكومة تكنوقرط من 15 وزيرا لمدة لا تزيد عن 6 أشهر لا حق لأعضائها في الترشيح لأي استحقاق انتخابي، فيما يتعهد المجلس كما كان الأمر سنة 2011 بإنهاء دستور لكل التونسيين لا لفئة دينية لا تعلن عن نفسها وتدعي المدنية، وهو  مشروع دستور  مرفوض  حاليا من جانب كبير من المجتمع، بالنظر أساسا لديباجته والفصل 141 منه  وأحكامه الانتقالية، و بعد ذلك استكمال هيئة الانتخابات، وإنجاز القانون الانتخابي.
بدون كل ذلك فإن البلاد مقدمة على فترة اضطرابات قد تكون خطيرة ، ومسؤولية النهضة فيها كبيرة باعتبار ما أنتجته فترة حكمها، الرابح فيها خاسر، يمكن أن تذكرنا بما حصل ويحصل في مصر، فالتجارب غير بعيدة، عن بعضها ونتائجها قد تكون متماثلة لا قدر الله.
إن الجماهير انطلقت، ولا أحد يمكن مهما كان أن يوقف مسيرتها، مهما اعتقد من قوته.
هذا هو أكثر السيناريوهات احتمالا، ولكن إذا كانت النهضة ستنجح في الخروج من عين الإعصار هذا، فإن التمكين سيكون كاملا، والدولة الدينية ستكون في انتظارنا بهذا التمكين.